إن دول الخليج سوف تكسب المعركة ضد كوفيد 19. وعندما تستقر الأحوال، وبعد امتصاص آثار ما وجّه إليهم من ضربات، سيجلبون طائرات محملة بالعمال من الدول الأكثر بؤساً، من أجل بعث اقتصاداتها من جديد. وماذا عن هؤلاء الذين يعيشون هنا الآن؟ لا بأس في الاستعناء عنهم.
ووظفت دول الخليج، وعلى مدى عقود عديدة، ثرواتها لبناء نموذج لنظام عنصري متقن للهجرة بحيث يتناسب مع احتياجاتها دون الأخذ في الاعتبار آثار هذا النظام على العمال، وعلى الدول التي يأتون منها.
وقد تطورت الطريقة الأولية التي تمت بها إدارة العمالة الأجنبية إلى نظام مهيكل يرفض النظر إلى العامل أكثر من قيمته النفعية، وعندما تتوقف هذه القيمة فإن الأمر ينسحب على العمل والعامل أيضاً.
إن دول الخليج سوف تكسب هذه الحرب، ذلك لأنها جيدة دائماً في التباعد الاجتماعي. فهناك خدمات مخصصة لـ "العمالة المهاجرة" وهو المصطلح الذي يطلق على الأجانب من ذوي البشرة السمراء القادمين من الجنوب العالمي، ويعيشون ويعملون بمفردهم، ويُجبرون على حياة العزوبية، ويكسبون أجوراً أقل من أن توفر لهم حياة لائقة. إن هذا التباعد ليس محل سؤال، وفي أفضل الأحوال فهو مقبول كخيار وحيد وضروري ولا بديل له. إن التباعد الاجتماعي بين "المهاجرين" والآخرين موجود قبل مجيء كوفيد 19، وسوف يستمر بعده. وكل ما يفعله هذا الفيروس أنه يوفّر على هؤلاء "الآخرين" أي تأنيب للضمير على أي تمييز قاموا به أثناء تفشيه.
إن انتقاد الممارسات التعسفية في الخليج لم تفعل شيئاً سوى مساعدة الأنظمة ودعمها بمسايرتها بالعمل في إطار ما تعتبره دول الخليج معيارً ما يجب أن يكون.
ولدى إلقاءنا نظرة على القطاعات التي شهدت إغلاقاً، نجد أنها تلك التي تتطلب تفاعلاً بين ذوي الدخل المرتفع وأفراد الطبقة الغنية والعمالة المهاجرة متدنية الدخل – فتم إغلاق أية أعمال تتطلب التعامل المباشر مثل قطاعي التجزئة والضيافة. بينما ظلت الأعمال التي يشكل العمال خطورة فيها على بعضهم البعض، تعمل بشكل اعتيادي. ويتم عزلهم هؤلاء العمال ونقلهم في، باصات، إلى مواقع عملهم لمواصلة بناء الأحلام الخليجية البراقة، والتي اعتبرت بشكل أو بآخر بالغة الأهمية وتستحق المخاطرة بصحة هؤلاء العمال من أجلها. وهنا يتضح أن النية هي عدم تعريض أصحاب الامتيازات والشخصيات المعروفة اجتماعياً لخطر الإصابة بالفيروس.
وحتى نكون منصفين مع هذه الدول، فإنه لم يكن هناك مفر من جميع قرارات الإغلاق والحظر نظراً لضرورتها، لأنها تعتبر الطرق الأسرع التي تُشعر الناس بالخطر وتبقيهم في منازلهم. ولكن ما يمكننا ويدفعنا لتحميلهم المسئولية هنا هو التكديس المنظم لجنسيات معينة، وطبقات معينة من العمال مما يؤدي، تلقائياً، إلى جعلهم الأكثر عرضة للضرر في أية أزمة سواء أكانت صحية أو اقتصادية. ولكن عندما ننظر إلى الوجه الآخر لكل ذلك، نجد أن هذا النموذج ساعدهم على العزل والفصل والتلاعب بالتوجيهات الخاصة بالحجر الصحي، الأمر الذي يجعل الخوف الحقيقي هو عدم تعلم الدروس من وراء ذلك. على الأقل، ذلك الدرس الذي يجعل المجتمعات الخليجية أكثر إنصافاً.
ويبدوا الامر مضحكاً وربما مزرياً أن يتم إعادة العمال إلى البيئة المهيأة لحضانة الفيروس. وليس عزلهم.
عند التمعن في قراءة نشرات كوفيد 19 الصادرة في هذه الدول، نجد أنه يتم إرشاد فئة واحدة للبقاء في المنزل، والبقاء في مأمن، والإبلاغ عند الشعور بأن الأمور ليست على ما يرام، والفحص لو تمت المخالطة بأشخاص مشتبه إصابتهم بالفيروس.
أما للفئة الأخرى، فالأمر يصبح مختلفاً، ويكون الاحتواء عبارة عن حجزٍ في غرف مزدحمة في مكان واحد كبير، وينتظرون أن يوزع الطعام والماء يومياً عليهم. وتجرى عليهم فحوصات منتظمة عن الإصابة بالمرض، فتؤخذ درجة الحرارة وأحياناً مسحة من الأنف إن كان هناك لزوم لذلك. وفي حالة الشك بالإصابة يتم نقل العامل من هذا المكان ويتم عزله. وإذا جاءت النتائج سلبية يعاد إلى مسكنه العمالي البائس للاستحمام... وتعاد الكرة.
والمعروف أن الأعراض لا تظهر على المصاب إلا بعد أن يكون حاملاً للفيروس لعدة أيام. إلا أنه، ومع ذلك، لا يتم فحص العمال إلا إذا بدت عليهم أعراض الإصابة. ويبدوا الامر مضحكاً وربما مزرياً أن يتم إعادة العمال إلى البيئة المهيأة لحضانة الفيروس. وليس عزلهم.
ولكن مالذي يحدث إذا ما تأكدت إصابة العامل بالفيروس وجاءت نتيجة الفحص إيجابية، وتم علاجه، والسماح له بمغادرة المستشفى؟ إلى أين يتوجهون؟ مرة أخرى يعودون للاستحمام ... وتعاد الكرة.

إن سياسات الإسكان التمييزية بشكل كبير، وضعت لصالح هذه الدول. فإن كانت إصابة أعداد كبيرة من العمال تمثل مشكلة، إلا أنه، في الوقت نفسه، من السهل جداً الاستغناء عنهم. وفي هذه الأثناء، يبقى العمال في أعمالهم للتأكّد من "استمرارية العمل"، ويتم توزيعهم في مواقع البناء والتعمير، ولتنظيف الأماكن العامة، يستمرون في ذلك حتى يعجزون جسدياً عن مواصلة العمل.
ستسمع يومياً عن قفزات كبيرة في أرقام المصابين - يفتح في علامة تبويب جديدة بالفيروس في هذ الدول. الأخبار السيئة تأتي أولاً: نعم، بلغنا أوج المرحلة الثالثة من الانتقال المجتمعي للفيروس. إلا أن الخبر الجيد المصاحب لذلك، هو أن المصابين هم فقط من العمال، وبالتالي فبالإمكان احتواءهم لأن من غير الممكن احتواء انتشار الفيروس، وفي مرحلة لاحقة أعدهم إلى بلدانهم إذا أصبح احتواءهم غير ممكناً.
وتخطط عدد من دول الخليج لإعادة العمال إلى بلدانهم بشكل جماعي، مع إجراء، فقط، الفحص الحراري الروتيني لهم قبل المغادرة. إن الدول الغنية تمرر المسئولية إلى بلدان الأصل التي ترزح أصلاً تحت وطأة كارثة كوفيد 19، والتي لا تمتلك سوى أنظمة صحية متواضعة لن تتمكن من استيعاب التدفق المحتمل للحالات الجديدة من الإصابات، ولا الانتشار المجتمعي الذي قد يتبعها.
إن الفصل الذي تقوم به دول الخليج سيؤتي ثماره. ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق في الدول الغنية الأخرى، حيث يوجد بها الأحياء المختلطة، والمرافق المختلطة العامة، ووسائل النقل العام، وحيث يكسب غالبية العمال أجوراً عادلة تمكنهم من عيشة لائقة، وحيث يكون بإمكانهم المشاركة بشكل كامل فيما تقدمه هذه الدول.
هنا، بالإمكان بناء مستشفيات مؤقتة للعمال، بناها العمال أنفسهم على مقربة من المساكن العمالية مترامية الأطراف والقذرة دون أن يطرف جفن لأحد، اعتراضاً على هذا التمييز، بل سينظر اليه على أنه مناسب وعملي.
وهذه هي المشكلة الأزلية ...
وباسم هذا النهج العملي، فإن دول الخليج نفذت بجلدها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان. فمستشاروهم يحافظون ببراعة على استمرارية الأعمال وإدارة الكوارث، وفي عروض "Power-point" التي ينفقون عليها ملايين الدولارات، يقوم الخبراء بمدح وتلميع هذه النهج. فهم يسلطون الضوء - يفتح في علامة تبويب جديدة على الانتهاكات الواضحة ومن ثم يقدمون حلولاً سهل التنبؤ - المحتوى متوفر فقط بـ English بها لا تهدف إلا لتشتيت الانتباه لفترة معينة من الزمن.
ولطالما كانت الحجة المضادة المباشرة للانتقادات التي تتعرض لها دول الخليج (ولا تزال، وربما زادت الآن عما سبق)، إن هذا الوضع أفضل منه في أوطانهم. وهذه الحجة تتعمد إغماض العين عن الفروقات الدقيقة للمشاركة الاجتماعية ورأس المال. وحيث أن طموح الهجرة هي خيار لا يدركه الفقراء وغير المتعلمين، فإن الافتراض هو أن معاناتهم هذه هي من أجل مصلحتهم بشكل عام.

