في بيئة لا تشجّع على الهجرة، يتمّ إغراءُ العوائل المقيمة في أرياف إندونيسيا للقبول بإرسال نسائهن الشابات إلى الشرق الأوسط. يتولّى آلاف الوكلاء غير المسجّلين بشكلٍ رسميّ بالتنقيب عن الأسر الضعيفة والرّاغبة. وعلى الجانب الآخر هناك من يعرفون بـ"التشالو" (chalos) (مثل أومو الذي التقينا به في قصتنا السابقة) والذين هم أفراد مسجّلون لدى الحكومة.
بعد إجراء مقابلاتٍ مع الأسر ومع المهاجرين العائدين توقّفنا في قرية "باسركاليكي" في مقاطعة "كاراوانغ"، لتناول الشاي في منزل "دادانغ مختار"، رئيس مركز "كاراوانغ" للتّضامن مع العمال المهاجرين. لقد جمع فريقاً يضم "موظفين في الميدان" (وكلاء فرعيين) ومهاجرين عائدين (مثل سعدية) وأسر بعض العائدين.
الحظر الغير موجود
ورغم إدراك هؤلاء للأخطار التي يواجهها العمّال المهاجرون؛ إلا أنهم لا يؤيدون الحظر المفروض من الحكومة الاندونيسية - يفتح في علامة تبويب جديدة على العمل المنزليّ للمهاجرين. ويقول "دادانغ": "كل ما يولده هذا الحظر هو المزيد من المخاطر على العمال. كيف ستوفر فرص عمل لكل هؤلاء الناس إذا كنت لا تسمح لهم بالبحث عن عمل في الخارج؟".
لم يسبق لـ"دادانغ" أن عمل في الخارج؛ لكن العديد من أفراد عائلته مرّوا بالتجربة بمن فيهم شقيقته. لذلك فهو يتحدّث بشكل إيجابي عن الهجرة للعمل، ويوظف طاقته في المجتمع من أجل هجرة آمنة. "العمل في الخارج بمقدوره أن يغيّر حياة الناس نحو الأفضل. حيث أن فرص العمل ضئيلة هنا في كاراوانغ، والصناعات المحلية والزراعية ليس لها مردود كثير".
حاليّاً، لا تقف سياسات الحكومة وحدها كعقبة أمام الهجرة فـ"الناس يتوجهون نحو التدريب المهني إنهم يبحثون عن التنمية الذاتية. وهذا أمر جيد. ولكن سرعان ما سيرغبون بإنشاء مشاريعهم الخاصة أو شراء قطعة أرض. عندها لن يكون لديهم خيار آخر (سوى الهجرة)".
وعلى الرغم من الحظر المفروض على الهجرة الجديدة إلى السعودية، إلا أن "دادانغ" يقول إن الكثيرين يقصدون المملكة عبر عمان وأبو ظبي. ويقول "وادي"، أحد أفراد الفريق، إن زوجته حالياً تذهب إلى مركز تدريب، استعداداً للذهاب إلى قطر.
"ولكن هناك حظر. كيف ستذهب؟"
"لديها تأشيرة دخول لدولة عربية أخرى أيضاً. لكنها ستعمل في قطر".
"من قال لك ذلك؟"
"التشالو (chalo). ومركز التدريب أيضاً".
ينضم "مارنا" الذي يعمل وكيلاً فرعيّاً إلى المحادثة: "انخفضت أعداد المسافرين، ولكن الناس مازالت تهاجر. لا يوجد حظر حقيقي بمعنى الكلمة".
يشمل نطاق عمل "مارنا" 14 قرية في "كاراوانغ"، ويقوم بتوزيع العمال على مختلف الوكالات مما يعود عليه بـ 4 ملايين روبيه (أي ما يعادل 300 دولار) لكل عامل. "أحتفظ بمليونين لنفسي والباقي أعطيه لعائلة العامل"، وفق تعبيره.
وفي حال وقوع مشكلة، فإن "التشالو" والوكلاء الفرعيين هم أول من يواجهون اللوم من قبل المجتمع.
"هل تتلقى أي شكاوى من العمال الذين يذهبون إلى الشرق الأوسط؟"
"نعم وبالتحديد فيما يخص الرواتب. وعندما أقول ذلك للوكالة (المسؤولة عن اليد العاملة)، لا نتلقى دعماً منهم".
منذ اللحظة التي تترك فيها العاملة دولة إندونيسيا، تصبح المسؤولية مبعثرة بين مختلف الجهات الحكومية والخاصة في كلا البلدين، ولا يُحاسب أحد عندما تقع مشكلة أو انتهاك.
يستذكر "دادانغ" الحادثة المروعة التي حصلت للعاملة الإندونيسية "ناني سورياني - يفتح في علامة تبويب جديدة" حين قُتلت على يد "المدام" التي كانت تعمل لديها في يناير 2011. "لم نستطع استرداد الجثة قبل فبراير 2012، ولم تحصل العائلة على أيّ تعويض مالي. كما كان رد الحكومة على كلا الجهتين غير متناسق".
مع ذلك، تهاجر النساء بالإكراه. يقول "دادانغ": "تُجبِر العائلات فتياتها على الهجرة لكي يساعدن على سداد الديون المستحقة لبناء البيوت أو إنشاء مشاريع. ومن ثم تبدأ المساوئ. كثير من الرجال ينتهي بهم الأمر بالزواج مرة أخرى بسبب هجرة زوجاتهم، وفي ظلّ استمرار تلقّيهم المال من الخارج وصرفه. بالإضافة إلى رسوم التوقيع (على العقد)".
يتلقى "التشالو" نحو 10 ملايين روبية (حوالي 750 دولاراً) من وكالة التوظيف لكل عامل. يُبقي حوالي النصف لنفسه ويوزع الباقي على الوكلاء الفرعيين وأسر العاملات. ومع هذا الترتيب، يتم ربط الأسرة في نوع من عقد العبوديّة. تُرسَل الفتاة الشابة إلى "جاكرتا" من أجل التدرّب في واحد من مراكز التدريب.

