في العام 2014 احتُجز "ساشيكومار" وزملاؤه لمدة ثلاثة أشهر في جزيرة "كيش" بإيران عندما اجتاز قاربهم المرخّص في قطر حدود المياه الإقليميّة .
كان قد مضى عام ونصف العام على إطلاق سراح "ساشيكومار" عندما التقينا زوجته "شيلا" في منزل صغير أسفل حارة ضيقة تصطف على جانبيها أكوام من السمك المجفّف. وعندما تمكنّا من اللقاء بـ"ساشيكومار" كان هو وزوجته ينتظران قدوم مولودهما الأول بعد طول انتظار.
ابتلعت دموع شيلا قدرتها على الكلام وهي تخبرنا عن الضغط الذي تعرّضت له طيلة الأشهر الماضية التي انتهت بثبات حملها: "أخيراً تمكنتُ من الحمل بعد عشر سنين، ثمّ…".
قصة "ساشيكومار" ليست خفية على أهل القرية، فقد ذهب إلى قطر منذ عشرين عاماَ كي يضمن مستقبلاً لأهله وزواجاً مستقراَ لشقيقته، ومِن ثمّ ليؤسس عائلته الخاصة.
تقول "ساكونثالا"، عضوة منظمة الاتحاد الوطني لعمال المنازل (NDWF) غير الحكومية والمهتمة بعائلات عمال الصناعات السمكية، إن نساء هذا المجتمع تتمتعن بمؤهلات علمية عالية على نقيض الذكور. ورغم ذلك فهنّ تفضّلن الزواج من داخل المجتمع وتدفعن مهوراً عالية للزواج لقاء التزام الرجال بتأمين نمط حياة تليق بهن.
يلتقط "الأب تشرشل" خيط الحديث. "هؤلاء الرجال الذين يقضون وقتاَ طويلاَ في الخارج يُرضون رغبات زوجاتهم بتأمين بيوت مريحة لهن، والتمتع بإجازتهم القصيرة على الشاطيء برفاهية تعوضهم بعض الشيء عن أيامهم المضنية في البحور الهائجة".
يمثل هذا سبباً بسيطاً لهجرة 60% من ذكور منطقة "كانياكوماري". وتعلّل "ساكونثالا" ذلك قائلة: "عليهم الدفاع عن وجودهم نظراً إلى أن الحكومة لا تقدم لهم أي دعم، فالهجرة هي السبيل الوحيد لتأمين وضعٍ اقتصاديٍ جيدٍ. حيث تتراوح عائدات الصيد ما بين 150 و200 روبيّة في اليوم. بينما من دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانهم تحويل مبالغ تتراوح ما بين 30 إلى 40 ألف روبيّة شهرياً. وتصل إلى 100 ألف روبيّة في مواسم الصيد الجيّدة".
نظراً لقلة وعي الصيادين فهم لا يحملون معهم نسخة مصورة من جواز السفر. حالياً يعمل "الاتحاد الوطني لعمال المنازل" على إقامة معسكر تثقيفي لتعليمهم وحثهم وعائلاتهم على حمل نسخة من جوازات السفر والأوراق اللازمة، وتجنيبهم صعوبة تأمينها في حال تعرضهم للاعتقال. إضافةً إلى المساعي الجارية لمحو أميتهم المالية بغية تجنيبهم أيضاً الوقوع في دوامة الهجرات المتتالية من أجل تسديد الديون فقط.
لكن هل تفضل "شيلا" التي تتولى إعالة الأسرة من خلال عملها في الخياطة بقاء "ساشيكومار" في الهند؟
تشير "شيلا" إلى البحر الذي نسمع هدير أمواجه من وراء جدران منزلها من دون أن نراه، ثم تقول: "أصيب ساشي بصدمة بعد تحطّم قاربه في إحدى رحلات الصّيد في البحار العميقة. لم يكن هناك من يساعده، لقد ظلّ متشبّثاً بقطعة خشبيّة إلى أن صادف مرور سفينة شحن بحري قريباً منه فانتشلته. لقد نجا بحياته؛ لكنّه الآن يخشى العودة إلى تلك البحار مرة أَخرى".
"انتظري، سأرسل له كي يتصل بنا، إنه يود التحدث إليك فاسأليه بنفسك".
سرعان ما رنّ الهاتف وظهر رقم إيراني على الشاشة.
فبعد أشهر قليلة من عودته، في شهر فبراير من عام 2015، كان قد صعد إلى ظهر المراكب مرّة أخرى متجهاً في هذه المرة إلى إيران. لقد ساعده رجل محترم أثناء احتجازه في جزيرة "كيش" وقدم له عرض عمل.

