على مرمى حجر من المرفأ الوحيد في "موتام" يرتفع مبنى إسمنتيّ متواضع. وفي غرفة مضاءة منه، جيدة التهوية، متناثرة الأثاث، توجد خزانة متخمة بملفات الشكاوى المقدَّمة من الصيادين للمسؤولين، وتفاصيل رحلاتهم من "كانياكوماري" إلى السجن في إيران أو إحدى دول الخليج. وبعضها مقدَّم من صيادين تم احتجازهم بغية أن يفتديهم الكفيل.
جميع الرسائل الصادرة عن اتحاد "صياديّ جنوب آسيا" موحدة الصياغة في أسلوبها الرسمي ونظمها الإنشائي. مجموعة أوراق بحجم جواز سفر تحتوي تفاصيل شخصية ومرفقة ببيان الحالة.
السيناريو الأول: أُلقي القبض على الصيادين أثناء عبورهم الحدود وتم احتجازهم. زُوِّدت سفارتا الهند بتفاصيل القضية في كلٍّ من بلدَيّ التوظيف والاحتجاز، وطُلِب منها مساعدة الصيادين في تسديد الغرامة وضمان إطلاق سراحهم.
السيناريو الثاني: يبحر الصيادون أشهراً عدّة دون أن يدفع لهم الكفيل قيمة حصتهم من الصيد. بعد مضيّ ما يقارب الستة أشهر وأحياناً السنة، يرفض الصيّادون الذهاب إلى البحر ويطالبون بإعادتهم إلى أوطانهم. يمتنع الكفيل عن إصدار تراخيص المغادرة. طُلِبَت مساعدة السفارة لاستصدار التراخيص.
لدى كل عائلة من عائلات "موتام" قصّة ترويها، فيما تتوجّس العائلات التي تفتقد لقصة من كل اتصال هاتفيّ تتلقّاه من الخارج. والأسوأ أنّ أبناءها يتقمّصون قصص الآخرين ويروونها على أنها قصصهم عندما تنقطع أخبار رجالهم!
حتى الآن، عندما يبلغ الفتى الثامنة عشرة من العمر يتجه إلى إحدى وكالات السفر القليلة في "ناجريكويل"، المدينة الأقرب له؛ حيث يقدم وكيل السفر المحلي (الذي لا تقل أهميته عن أهمية القريب أو الصديق الذي سيؤمن لهم العمل في الخليج) المساعدة للراغبين بالهجرة في استصدار جواز السفر وتأمين الوثائق المطلوبة الهجرة.
آثار إعصار تسوناميّ
"لنا ساكونثالا"، عضوة الاتحاد الوطني لعمال المنازل التي تساعدنا بمقابلة العائلات في "موتام". تقول إن الكثير من الناس هنا ماتوا في كارثة تسونامي. "امتلأت الشطآن بنفايات البحر. ولم يخشَ العودة إلا القليل جداً من الصيادين، لذلك أقمنا دورات تدريب على الأعمال الشاطئيّة، ولكن فرص العمل رغم ذلك بقيت محدودة مما دفع الناس إلى الهجرة من جديد، خاصة مع انخفاض مستوى الصيد".
ولا يقتصر أثر تسونامي على "موتام"، فقد نال الإعصار من قرية "كادياباتينام" المجاورة، التي "لا يخلو بيت من بيوتها الـ 1500 بأسرها من فردٍ يعمل في بلدان الخليج العربي. حوالي 500 في قطر والبقية في السعودية".
لكنّ "الأب تشرشل" لا يرى أن أن هناك أثراً كبيراً لتسونامي على الهجرة. "تسونامي دفع الناس نحو اختيار طريقة بديلة للعيش فقط. فخلال السنوات العشرين الأخيرة، هاجر 2 أو 3 أفراد من كل عائلة. بينما قبل تلك الفترة، كان هناك 2 أو 2 مهاجرين من القرية. اعتاد الناس الاستثمار في البحر فقط، حتى أنهم كانوا سابقاً يسكنون إما على أراضي الكنيسة أو على أراضي الدولة، لكنّ تسونامي غيَّر هذه العادة ودفع الناس للاستثمار في البرّ أيضاً".
ويعتقد "الأب تشرشل" أن الأسباب والعوامل التي تشجع على الهجرة كثيرة ومتنوعة؛ إلا أن إهمال الحكومة الهندية هو العامل الأبرز في تزايد معدلات الهجرة.
"أرباح الصيادين هنا ضئيلة وغير كافية، بالكاد تكفي للإنفاق على تأمين قوت الأسرة. والأهم من ذلك أنه لا يوجد في ولاية "تاميل نادو" ما يكفي من مراكز التطعيم والمراسي. حتى المراكز التي تتوافر للصيادين لا توجد فيها الوسائل الضرورية مثل المرافئ والأحواض".
للأسف فهو الحال، مزرٍ وبائس رغم أن الصيد هو الدعامة الأساسية للمجتمع. إذ تعتبر مقاطعة "كانياكوماري" الثالثة من حيث عدد الصيادين في ولاية "تاميل نادو". "جميعهم صيادون نشطون هنا. بينما تتمتع كيرالا المجاورة بعدد أكبر من المرافيء والأرصفة رغم قلة عدد صياديها".
تضرب السياسة الهندية القائمة على الطائفية جذورها عميقاً في "تاميل نادو"، وتؤثر بشكل واضح على الصيادين خاصة.
"السياسة تتحكّم بالولاية. فالحكومة تلبي مطالب التكتل الاجتماعي (الطائفة) الذي يحظى بممثلين سياسيين عنه. يعود تاريخ آخر توظيف في قطاع الصناعة السمكية إلى عام 1962، عندما أُدخلت القوارب المُمَكْنَنَة (الميكانيكيّة). وحتى هذا التوظيف كان سببه انتماء وزير الثروة السمكية لتكتل الطائفة".
يوجد في مدينة "كانياكوماري" وحدها حوالي ثلاثمائة ألف صياد، يعمل هنا 100 ألف منهم، و50 ألفاً هاجروا. اتجه نصف المهاجرين تقريباً إلى منطقة الخليج العربي.
بالإضافة إلى ذلك، أدى الاعتماد الواسع على الصيد بالشباك الضخمة إلى استنفاد هائل للموارد السمكية. وبقيت مسألة الصيد بالشباك نقطة مثيرة للنزاع بين سريلانكا والهند، لم ينجح أي من الطرفين بحلها.
مما حفز سريلانكا على التفكير بإصدار تراخيص محدودة العدد، رغبة منها بضبط الوضع وإبقاء الصيّادين تحت المراقبة، حسب ما تفيد الأسبوعية - يفتح في علامة تبويب جديدة السريلانكية "ذا صنداي تايمز":
صرَّح وزير الثروة السمكية، "ماهيندا اماراويرا"، بأن وزير الدفاع هو صاحب فكرة هذا المقترح. "أثير الاقتراح كفكرة مجرّدة، وهي ليست بالضرورة سيئة. في الوقت الراهن توجد 2000 إلى 3000 سفينة صيد هندية في مياهنا. ونحن نهدف لتقليص عددها إلى حوالي 250 سفينة نصدر لها تراخيص رسمية. لكن يتعيّن علينا أولاً التحدث إلى شعبنا، وخاصة إلى اتحادات وجمعيات الصيادين. وفي حال موافقتهم سوف نضع الاقتراح موضع التنفيذ".
ويقول "الأب تشرشل": "لقد قضوا على منابع الصيد. أصدرت الحكومة قرارها بمنع الصيد الجائر بالشباك الكبيرة، لكن الصيّادين لم يرتدعوا بسبب عدم تأمين أي بديل لهم".
في قطر أيضاً، سُمح باستخدام السفن الميكانيكية المجهّزة للصيد في الأعماق. "عندما وقع خلل في أنابيب النفط، اشتروا الشباك والطّعوم (ما يُلقَى للسمك لاصطياده) وقدموا الإعانات لمواطنيهم من أجل اتباع أساليب صيد أخرى". يستطرد الأب مقارناً بين حكومة قطر والحكومة الهندية التي لم تقدم البديل: "بالتّالي فقد استمر الناس بالعمل وفقاً للأدوات المتوافرة بين أيديهم".

