"هذه القرية مليئة بعديمي الأسنان وعديمي النفع"، بشيء من المزاح يقول "الأب تشرتشل" قاصداً كبار السن والأطفال في قرية "موتون". وبالفعل لا تشبه قرية "موتون" الساحلية الفاتنة قرى الصيد الأخرى في "كاناياكوماري"، أقصى ولايات الهند الجنوبية. فلا أكواخ على شاطئها ولا صفوف مراكب، ولا حتى تنتشرُ فيها رائحة السمك. كل ما هنالك هبّاتُ هواء مالح تتغلغل في نهارات الصيف الرطبة.
البيوت هنا إسمنتيّة ذات ألوان برّاقة، ومداخل صغيرة، وشوارع ضيّقة، ونوافذ واسعة مفتوحة على المحيط الهندي. والضيافة غامرة؛ حيث يُستقبل الضيوف بالكعك والشاي المحلّى. وهي تتنافس فيما بينها على التباهي بظفر غزوات رجالها في مياه الخليج العربيّ والفارسي. أولئك الصيّادون في البحار العميقة، المعتادون على قضاء الأسابيع بعيداً عن برّ الشطآن، لا يدرون ولا تدري عائلاتهم ما إذا كانت آلهة البحر ستعيدهم سالمين.
يتعاون رئيس "اتحاد الصيادين" في جنوب آسيا، "الأب تشرتشل" وزملاؤه، على العمل الاجتماعيّ في تلك المقاطعة لمساعدة المحتاجين وتمكين مَن تبقّى.
اعتنق معظم أهالي هذه المناطق المسيحية، إلا أن الدين الجديد امتزج مع خرافاتهم وتعاليم معتقداتهم السابقة. فالآلهة التي تحميهم وتقرر مصيرهم في عرض البحر تتجسّد في هيئةٍ يسوعية مرتدية الساري الهندي الابيض.
بلا مبالاة تقول "ريتامال": " لا نخشى البحر، الحياة أو الموت، قدرنا محكوم بملح المحيط".
وهذا البحر امتدادٌ متسع بلا حدود بالنسبة لأبنائها الأربعة في منطقة الخليج أو بالنسبة لبقية عائلات أهالي الساحل. إذ لا يعرف الرجال شكل حياة أخرى، ولا ينشدون حياة سواها، رغم القلق والحنق اللّذيْن يعتريان النساء أثناء تواجد رجالهنّ في عرض المحيط الهندي أو بحر العرب.
من الصعوبة بمكان أن تجد رجالاً متيني البنية وقادرين على العمل، يتجوّلون في طرقات القرى الصغيرة أقصى الجنوب الهندي. ومَن تصادفه هو إما رجل يقضي إجازته أو رجل ينتظر فرصة للهجرة.
لكنّك ترى النساء، والأطفال (عديمي النفع)، وكبار السن (عديمي الأسنان) الذين يرحبون بك بلهفة المتشوقين لمن يشاركونه قصص وصور أحبائهم، أو لإلقاء نظرة خاطفة على التحويلات المالية الوفيرة الواردة من أقربائهم في المهجر.

