وفي أقوى جوانبه، يلقي «نسيج» الضوء على مهارة العمال وولائهم للبلد. ففي حلقة مع عامل مصري فلاح، يخبرنا العامل أن الزراعة بالنسبة له ليست فقط وظيفة يكسب منها قوته، ولكنها جزء من مسئوليته لحماية البيئة وإدارة مواردها بما يحقق الاستدامة. وفي حلقة أخرى، يستعيد سائق شاحنة سوداني ذكريات سنوات عمله في السعودية وهو يجوب شوارع المملكة وطرقها السريعة بكفاءة وتحمُّل. وتناقض هاتان القصتان، وبشكل مباشر، الصورة النمطية الشائعة للعمال المهاجرين التي تظهرهم قليلي المهارة، وغير مبالين ويمترسون الخداع. فعلى عكس ذلك، يتيح البرنامج لمشاهديه الاطلاع على خبرات هؤلاء العمال، وانضباطهم واعتزازهم بحرفتيهم. ويدمج البرنامج اللقاءات التي تُجرى خلاله بمشاهد من فعاليات موسم الرياض رابطاً بصورة خفية روايات المهاجرين وصورة المملكة كبلد حديث متحضر منفتح على العالم.
يتطرق البرنامج أيضا إلى فكرة الانتماء. فيصف ميكانيكياً سوريا – نشأ في المملكة وتعلم فيها كيف يصبح جزءا من مجتمعها – بأن له «روابط قوية» بالبلد «لا يمكن إضعافها». كذلك قدّم البرنامج لبنانياً يعمل في قطاع الانشاءات على أنه شاهداً على التطور الذي شهدته المملكة، إذ يرى عمله متغلغلاً في مسيرة التغيير والبناء فيها. ومن جانبه يؤكد حرفيّ باكستاني ليس فقط على تعلقه بالبلد، وإنما على امتنانه أيضا لقيادتها وشعبها، ويرجع وجوده فيها إلى الدعم الذي يتلقاه منهم. وفي مثل هذه اللحظات، لا يصور المهاجرون على أنهم أجانب عابرون، وإنما أشخاصاً تربطهم علاقة عاطفية واجتماعية عميقة بالمملكة، حتى وإن جاء التعبير عن ذلك مشروطا بإعلان الولاء لها.
في الموسم الأول، كان البرنامج يتضمن تعليقا صوتيا أثقل البرنامج بلغة متكلفة وطنية تدعي أن السعودية بمثابة موطن للمهاجرين. تخلى نسيج عن ذلك الخطاب في الموسم الثاني. في الموسم الأول كان مقدم البرنامج صادقا ولطيفاً مع ضيوف البرنامج، لكنه لم يكن يحضر للقاء العمالة في بعض الأحيان، ويجتهد بحذلقة لإضفاء روح الفكاهة. ففي واحدة من الحلقات، ناول ضيفه الفلبيني وسادة وسأله: «تخيل أن هذه هي عائلتك، فماذا تقول لهم؟». تبدو تلك اللحظات مصطنعة ومتعالية. أما مقدم الموسم الثاني فهو يتميز بكاريزما أكبر، ويبدو أقل ارتباكاً من مقدم الموسم الأول، بل وله قدرة على تلطيف أجواء اللقاءات مع ضيوف البرنامج، وتجنب أسئلة البهرجة والاستعراض مما جعل حواراته أكثر تلقائية من حوارات الموسم الأول.
ومع ذلك، فلم يجرؤ البرنامج بموسميه على انتقاد نظام الهجرة العمالية القائم في السعودية، ولم يتطرق ولو لمرة لنظام الكفالة، أو حماية العمال، أو الوصول للعدالة، أو جلب أفراد الأسرة من بلادهم للعيش معهم في السعودية. بل على عكس ذلك، اتخذ الموسم الثاني اتجاهاً لتعزيز السردية الشائعة عن «السعودي الطيب - يفتح في علامة تبويب جديدة». وسلّطت حلقات البرنامج الضوء على قصص لأصحاب العمل السعوديين والأصدقاء الذين يهبون لمساعدة العمال المهاجرين مثل صاحب العمل السعودي الذي غطى نفقات عملية غسيل الكلى لسوداني يعمل لديه، أو مجموعة من الزبائن السعوديين الذين جمعوا المال لمساعدة حلاق مصري أُمر بإغلاق محله أثناء جائحة كوفيد19. وتم تصوير هذه المشاهد على أنها أمثلة لفزعة من المجتمع السعودي تجاه المهاجرين، وهي أمثلة مؤثرة انسانياً حقاً، لكنها تخفي أمرين اثنين:
أولاً: أن البرنامج مع كل جوانبه الإيجابية يتجنب التطرق إلى أوضاع العمال الهشة. فقد يحصلون على التأمين الصحي من أصحاب عملهم، لكن التغطية قد تكون محدودة، لا تشمل علاجا كافيا. كما أنه لا توجد شبكة أمان في حالات البطالة أو الأمراض الخطيرة، فيعتمد المتضررون في هذه الأحوال على ما يتوفر من مساعدات من أصحاب العمل، والأصدقاء، وأفراد مجتمع المهاجرين. إذن، هذا البرنامج، بتسليطه الضوء على تصرفات فردية تنم عن الكرم والطيبة، تحجب من جهة أخرى ثغرات أساسية تجعل من هذه الأعمال الخيرية ضرورية أصلاً.
ثانياً: أن البرنامج يُظهر السعوديين كأشخاص كرماء يتفضلون على المهاجرين، ويقدم مشاهد لنسيج اجتماعي يبدو متناغما، وأن السعوديين والمهاجرين تربطهم علاقات وصداقات لكن إنما في إطار أبوي. فالمهاجرون ليسوا إلا متلقين ممتنين لإحسان السعوديين. وفي هذه الحالة يحيّد التعاطف التراتبية الاجتماعية ولا يلغيها، فيحول اللامساواة إلى أمر عادي وليس وضعاً يستدعي المساءلة والعلاج.
وبذلك يصبح البرنامج أداة للمزيد من التعاطف مع العمال ولكن مع عدم محاولة تغيير الواقع القائم حالياً. فهو يلطف من صورة العامل المهاجر، ويحتفي بحرفيته، ويقدر روابطه العاطفية تجاه المملكة، لكنه لا يخرج عن الحدود الآمنة المسموح بها من الحكومة عند الحديث عن العمالة المهاجرة. بمعنى آخر، فإن النسيج الذي يصنعه البرنامج، نسيج أكثر دفئاً وشمولاً من سردية الإعلام السائدة، لكن جوهر صورة العامل المهاجر ووضعه في نظام العمل يظل كما هو بلا تغيير.