بواسطة نوح
قال مسئول السكن العمالي: «كلها أيام معدودة، وتعود بعدها إلى غرفتك سريعاً» وكان قد جاء لمرافقة جوناثان* إلى منطقة العزل.
كان مكان العزل هو عبارة عن الطابق الأرضي في أحد مجمعات السكن العمالي، محاطاً بخزائن معدنية خالية موضوعة جنباً إلى جنب على امتداد ارتفاع المبنى. وكان هناك حارس أمن متمركزاً في نقطة الدخول والخروج الوحيدة، مرتدياً قناع للوجه فقط وأحياناً يرتدى القفازات من أجل الحماية الشخصية ويفصله عن أقرب باب، شريط أحمر – على بعد حوالي مترين إلى ثلاثة أمتار من أكثر مكان محتمل للإصابة بالعدوى.
كان جوناثان ضمن من تم عزلهم بسبب مخالطتهم لزميل ثبتت أصابته بكوفيد 19. وتحول ما اعتقده دخولاَ وخرجاً سريعين على كابوس حي له ولزملائه.
كانت في الغرفة التي نُقل لها، سريران بطابقين لكل منهما، ما يعني أنه سيتشارك الغرفة مع ثلاثة آخرين. غنيٌ عن القول إن التباعد الاجتماعي لم يؤخذ في الحسبان، كما هو متوقع في مثل هذه الحالات. وهذا على كل حال هو الفيروس نفسه الذي ركّع العالم، وقد يتوارد إلى ذهنك أن إجراءات العزل تلك، يتم اتباعها لتقليل مخاطر انتقال العدوى. أنا لست خبير فيروسات، وليس متخصصاً في الأمراض المعدية، لكن ذلك بدا الشيء المنطقي الذي يجب عمله، اليس كذلك؟ ولكن في الواقع، لم تكن سلامتهم أمراً مهماً للشركة أو للعميل. اشتكوا فيما بعد من ذلك، وتم خفض عدد المقيمين في الغرفة إلى ثلاثة أشخاص.
وبغض النظر عن الأماكن المغلقة، كان على أولئك الذين ينتظرون أخذ المسحة للفحص، استخدام دورات المياه نفسها التي يستخدمها المصابون، مما يزيد خطر إصابتهم بالفيروس. كما أن هذه المرافق لم تكن نظيفة من الأصل. وكان عليهم تحمل الأوضاع غير النظيفة ليوم أو يومين، ولم يتم تنظيف دورات المياه حتى ضجوا بالشكوى. وخلال هذه الفترة، لم يكون هناك مياه في الحمام. مما يعني أنه لم يتمكن أحد من الاستحمام، كما لم يتم تنظيف المراحيض.
وكأن ذلك لم يكن كافياً، فقد كان هناك مسألة الطعام. ومن بين كل الأشياء التي أنكرتها الشركة على هذه الأرواح البائسة، كان من أقسى الأمور حرمانهم من التغذية الجيدة خلال فترة العزل عندما كانوا في أمس الحاجة لذلك. كان الإفطار يتكون، عادة، من خبزتي باروتا، وقليل من حساء الخضار، وبيضة مسلوقة. وكان الغداء عبارة عن ذات حساء الخضار السيء مع الرز. أما العشاء فقد كان عبارة عن حساء الدجاج المخفف بالرز، أو تلك الوجبة المحضرة من السميد (للتوضيح ابحث عن أوغالي في غوغل)، أو رز مع حساء الخضار السيء، أو رز مع بيضتين مسلوقتين تم إعدادهما بطريقة ما لتحضير شوربة غير مشهية تماما. حساء بيض؟ من يفعل ذلك؟! لم تقدم لهم الفاكهة، ولم تكن مياه الشرب كافية، وكان عليهم طلبها كل يوم. تخيل أن يعطى لك 1.5 ليتر من الماء لتسد به حاجتك طيلة اليوم. وما فاقم الأمر، أن الطعام الذي كان يقدم لهم يكون فاسداً في معظم الأيام، وكان ذلك واضحاً من رائحته النفاذة التي تنبعث منه. ولذلك، ففي بعض الأيام كانوا يبقون بلا طعام، لأن الطعام الذي يقدم لهم غير صالح للأكل.
فيما يلي، أقدم مسلسل زمني عن كل ما حصل. في 20 فبراير، أُخذ جوناثان وزميله إلى «العزل». ذهبا لأخذ مسحة الفحص بعد ظهر 22 فبراير، ولم يحصلو على نتائجهم، ومعها حريتهم حتى بعد ظهر 28 فبراير. هل تستغرق النتائج كل هذا الوقت؟
كانت ثمانية أيام من الحالة المزرية، واجهوا خلالها الإهمال، وكانوا عرضة للمزيد من المخاطر بما في ذلك الإصابة بالفيروس. ثمانية أيام من سوء التغذية، ومن سوء المعاملة من قبل مسئولي السكن العمالي، ومن تدهور الصحة العقلية. ثمانية أيام من تقاعس السلطات المعنية، التي كانت على علم بالوضع من سلسلة تغريداتي. فتويتر يعتبر وسيلة صالحة للتواصل مع السلطات، كما نرى أن الجميع يعمل من خلال الإنترنت هذه الأيام. مؤسسة واحدة، وهي PHCC، رأت التغريدة ولم تهتم للاستفسار عن المزيد من التفاصيل.
فتحت الأيام الثمانية البائسة عيني على مدى ضآلة أهمية العمال المهاجرين بالنسبة للسلطات والمؤسسات الصحية. والأمر لا يعني أنه كان بإمكاني الاتصال بـالخط الساخن 16000 والابلاغ عن ذلك. فذلك سيعني أنني أكشف عن هويتي، الأمر الذي سيعرضني للانتقام. كما أنني لم أتمكن من نصح الأرواح التعيسة لتقديم شكوى رسمية لوزارة التنمية الإدارية والشئون الاجتماعية كما «نصحني» أحد مسئولين منظمة العمل الدولية. هذا الشخص يعرف تماماً أن الشكاوى الرسمية أمر لا يجب فعله لأنه يتطلب أن يتخلى الشخص عن هويته أيضاً.
ونظراً لكون منظمة العمل الدولية تعمل بديبلوماسية، كانت وزارة الصحة العامة، ومؤسسة الرعاية الصحية الأولية، ومؤسسة حمد الطبية، وجمعية الهلال الأحمر القطرية لا ترغب في أي شيء يتعلق بها، لم يتبق لهم مكان يلجأون اليه. وعندما بلغ بي اليأس مبلغه، حاولت الوصول لشخصية عامة مشهورة على وسائل التواصل الاجتماعي كان يظهر دعماً لحقوق الإنسان، على أمل أن يقوم برفع الوعي، لكن «لا حياة لمن تنادي».
وبذلك، لم يتبق خيار سوى تجنيد حراس الأمن طيلة وقت هذه المحنة التي كنا نمر بها. وبذلك، أفلت كل من تآمر ليكسبهم في صفه. وظل المسئولون عن الاشراف على الرعاية، مكتوفي الأيدي ولم يفعلوا شيئاً – ذلك، فقط، لأن الحراس مثلهم مثل كل العمال المهاجرين، كان ينظر لهم على أنه ليس لهم قيمة على الإطلاق.
وفي اليوم التالي لحصولهم على نتائج الفحص، في 29 فبراير 2021، عادوا إلى العمل في زيهم الرسمي الجديد الزاهي في «مشيرب العقارية»، وكأن شيئا لم يحدث.
(هؤلاء عمال مهاجرون موظفون لدى GSS Certis، وتم التعاقد معهم للعمل في مشيرب العقارية)


