ومع ذلك، يصرّ عبد الله على أن الحي الذي يعيش فيه ليس عشوائيا.
ويقول: "كان هناك الكثير من اليمنيين الآخرين، البعض منهم عائلات ممتدة، وكذلك عائلات من أماكن أخرى يعيشون في أحياء كالتي نعيش فيها. هي، حقا، قديمة وبعض المناطق الواقعة في عمق الأحياء تشبه العشوائية، ولكن كان الوضع آمنا جدا حيث كنت أقيم." ويعمل عبد الله في ورشة للأعمال الميكانيكية، وتقدم زوجته دروس خاصة وتدرّس اللغة العربية، عن بعد، لطلاب من جنسيات مختلفة.
يقول مؤكدا: "لدى ابنتان، فكيف يمكن أن أدعهما يعيشان في مكان ليس هو أفضل ما يمكنني أن أقدمه لهما؟". وابنتي عبد الله مسجلتان في مدرسة خاصة صغيرة تعمل من شقة قريبة من سكنه. صاحب العقار الذي يقيم فيه عبد الله وعائلته، تسلم إشعارا يمنحه أسبوعين لإخلاء المبنى. وبعد ذلك سيتم هدم الحي بأكمله.
وفي حديث لعبد الله مع MRRORS، قال:" بالطبع الأمر لا يشبه الحرب الأهلية، ولكن، فجأة، كان علينا ترك كل شيء ورائنا لنشاهد بيتنا يهدم أمامنا مرة من قبل، وها هو الأمر يتكرر مرة أخرى. الحياة صعبة أحيانا." أصبح وضع غير النظاميين أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة مع الاعتقالات العشوائية وحملات الترحيل التي تستهدف عشرات الآلاف، والتي تتم كل بضعة أشهر. أصبح الأمر يشكل تحديا كبيرا، لليمنيين خصوصا.
حتى سنوات قليلة مضت، كان المهاجرون اليمنيون - النظاميون أو غير النظاميين – من المجموعات العرقية التي تحصل على تفضيل نسبي - يفتح في علامة تبويب جديدة مقارنة بالسكان غير السعوديين. ويعيش في السعودية أكثر من مليوني يمني، إلا أن الصراع المستمر دفع إلى تحول كبير في معاملتهم في جميع أنحاء المملكة.
وذكرت منشورات إخبارية يمنية ودولية نقلا عن وثيقة سرية مسربة - يفتح في علامة تبويب جديدة أن الحكومة المحلية طلبت من أصحاب الأعمال في المناطق الجنوبية من السعودية الاستغناء عن العمال اليمنيين بشكل منهجي.
تركز حملات الترحيل حاليا على اليمنيين بشكل خاص، ولذلك فإن الحصول على مكان جديد للإقامة سيشكل تحديا لعبد الله وعائلته، لأن الكثير من أصحاب العقارات سيرفضون التأجير لهم.
يقول عبد الله: "أصبحت الإيجارات مرتفعة بشكل مفاجئ. سيطلب أصحاب العقارات أي مبلغ من المال يفكرون فيه." ومع انتشار أخبار عن الاخلاءات العشوائية المقبلة، ومع انتشار الهدم، بدأت الأسعار في الارتفاع في مناطق التي يعتبرها المهاجرين آمنه لهم. ويقيم عبد الله وعائلته مع أصدقاء عائلة زوجته بينما يواصلون البحث عن مسكن لهم.
يقول:" في البداية كان هناك الترحيل، لكننا على الأقل كنا في أمان داخل منازلنا، لكن الآن تم أخذ منازلنا، فهذه البلد الآن فقط للسعوديين". ويضيف: "اعتدنا أن جده للجميع، لكنها لم تعد كذلك. فجده أصبحت الآن للسعوديين والأغنياء الغربيين. جده القديمة كانت للجميع. "
جدة الجديدة ستكون المقصد السياحي الأول في الخليج
عمليات الهدم جارية حاليا، وفي الواقع، هي جزء من خطة رئيسية لإنشاء جدة "الجديدة" بما يتماشى مع الرؤية السعودية 2030. في ديسمبر 2021، أطلق ولي العهد، محمد بن سلمان آل سعود الخطة الرئيسية والملامح الأساسية لمشروع جده المركزي.
وبحسب بيان رسمي - يفتح في علامة تبويب جديدة، فإن المشروع الذي تصل قيمته إلى 75 مليار ريال سعودي سيطوّر أرضا تصل مساحتها إلى 5.7 مليون متر مربع "لإقامة وجهة عالمية مطلة على البحر الأحمر في قلب جدة". وسيشمل المشروع منتجعات راقية، ومطاعم ومجمعات تسوق، ومتاحف وملاعب رياضية وحتى دار للأوبرا، وذلك ضمن جهود لتكون المدينة ضمن أرقى الأماكن السياحية في الخليج. كما سيتم بناء فنادق توفر أكثر من 2,700 غرفة فندقية، ومناطق سكنية حديثة تشتمل على 17,000 وحدة سكنية. إلا أنه، وبحسب أرقام رسمية محافظة، فإن ما لا يقل عن نصف مليون شخص - يفتح في علامة تبويب جديدة – 5% منهم فقط من المواطنين السعوديين- يقيمون في المناطق التي تم تحديدها للهدم لإفساح المجال للمشروع الجديد.
برغم أن إشعارات الاخلاء جاءت ابعد بكثير من توقعات المقيمين، إلا أن هيئات التطوير في جده تناقش "حل مشكلة الأحياء العشوائية" لفترة مؤخرا، كما تقول مريم، وهي موظفة حديثة التخرج، تعمل لدى شركة هندسية تشارك في مشروع تخطيط المدينة. وتوضح مريم بأنهم بدأوا إجراء الدراسات لاستكشاف نظام لتطوير هذه الأحياء على مدى عامين.
في 2019، شدد ممثل مكة البلدي صالح التركي، في كلمة له أمام منتدى مكة الاقتصادي، أن تركيزه الرئيسي ينصب على تحسين البنية التحتية في المناطق العشوائية.
وبحسب التركي " فإن التركيز البلدي ينصب على مد خدمات ممتازة بأسرع وقت ممكن مع تطوير المناطق التي ليس لديها خدمات تمكنها من تحقيق أهداف رؤية 2030. وضعت رئاسة البلدية مؤشرات وأهداف لتطوير ركائز تطوير جودة الحياة". وأكّد أنه سيتم هدم 64 حياً موزعين على مساحة 215 مليون متر مربع، تعتبر "عشوائية" وسيتم إعادة تطويرها. كما ادعى العمدة أن أغلب هذه المباني هي غير قانونية مقامة على أرض مملوكة للحكومة.
ويقع المبنى الذي قام عبد الله بإخلائه على أرض غير قانونية.
ويشير: "هذا المبنى قديم جدا، وأظن أنه بُني عندما كانت الأنظمة أكثر تساهلا. ويقيم صاحب العقار مع عائلته في طابقين ويؤجرون الباقي لنا. ولا أعرف إن كان لدى المباني في المنطقة ترخيص صحيح، لكن المالكين ليسوا محتالين."
"في البداية كان هناك الترحيل، لكننا على الأقل كنا في أمان داخل منازلنا، لكن الآن تم أخذ منازلنا، فهذه البلد الآن فقط للسعوديين"
عشرات الأحياء على قائمة الهدم
حصلت MR على وثيقة تحدد الخطة الزمنية وقائمة الأحياء التي سيتم هدمها في الشهور المقبلة. يشار هنا إلى أن فترة الإخطار التي تعطى للسكان قصيرة، وأحيانا تعطى لهم بعد بدء أعمال الهدم. وفي حين أن العديد من الأحياء على قائمة الهدم هي في الحقيقة قديمة جدا ويعيش فيها مقيمون غير نظاميين، فإن هناك مباني كثيرة على القائمة أحدث بكثير ومسكونة من قبل مقيمين نظاميين. بعض الأحياء في العزيزية، وبني مالك، والشرفية، على سبيل المثال، تعرف بشعبيتها بين العائلات جنوب الآسيوية وتضم مباني قديمة وجديدة.
كانت عملية الهدم في الشرفية قد حددت لتبدأ في 19 فبراير، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن. ويشعر السكان في الأحياء أن ذلك قد يكون مجرد خلل في البيروقراطية السعودية وأن الهدم سيصل أحيائهم في وقت ما. ولذلك فقد بدأت عمليات الإخاء الجماعية.
تقول آمنه أمير، وهي طالبة باكستانية تبغ من العمر 17 عاما، وهي تنظر إلى صور الأحياء التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي "إنه مجرد سريالي". وعاشت آمنه في حي الشرفية طوال حياتها حتى الصيف الماضي عندما فقد والدها وظيفته وعادت العائلة إلى باكستان.
تقول آمنه: "أنا حقا أفتقد جده وحياتي هناك، وبرغم أن الأمر يبدو غير واقعي إلا أنني أفكر دائما أنني سأعود يوما إلى هناك وأرى كل شي مرة أخرى، حتى وإن كان ذلك لمجرد الزيارة". وتضيف: "لقد شعرت بحزن شديد بينما كنت أنظر لهذه الصور، وكأن طفولتي وكل العالم الذي كان موجودا تمت إزالته بهدوء، وإلى الأبد."
شهدت العزيزية التي كانت تعرف بأنها باكستان الصغيرة، نزوحا بطيئا على مدى السنوات القليلة الماضية بسبب برامج السعودة والضرائب الباهظة التي فرضت على الأجانب والتي أجبرت الكثير من المقيمين على العودة إلى بلدانهم. كما أن الحي الذي يعتبر مركزا أساسيا لمجتمعات جنوب آسيا في جده مدرج على القائمة. وبرغم أنه ليس من الواضح مساحة المناطق السكنية التي سيتم هدمها، إلا أن الذين سمعوا عن الاخلاءات المحتملة المرتقبة يتوقعون ارتفاعا في الإيجارات.
يقول الكشميري صادق (30 عاما):"إنها مسألة سهله متعلقة بالعرض والطلب، أليس كذلك! الكثير من الناس يبحثون فجأة عن مكان جديد، وهناك نقص في العرض حاليا". كان صادق الذي يعمل في القطاع المالي قد تم اجلاءه مؤخرا من المكان الذي يعيش فيه بالقرب من الشرفية – وهو يحضّر نفسه للهجرة إلى ألمانيا في الصيف المقبل – لكنه لم يخطط لارتفاع مفاجئ في إيجاره.
يقول صادق: "كنت أعيش بالقرب من مكان عملي، والمكان الذي وجدته في نفس نطاق السعر يقع على بعد 30 كيلو متر. إنه أمر غير مريح وحدث فجأة".
وجد صادق إعلان الإخلاء الذي يحمل علامة حمراء خارج المبنى الذي يعيش فيه قرب نهاية يناير، وأخبره صاحب المبنى أن لديه شهر واحد للمغادرة. يقول: "بدأت البحث عن مكان جديد فورا، وكنت محظوظا لأنني غادرت بشكل سريع، فقد تم قطع الكهرباء والماء بعد أسبوعين من وضع إشعار الإخلاء".
تمكن صادق من الانتقال إلى شقته الجديدة في وقت أبكر من المخطط له، وهو ينتظر أن يعيد له صاحب المبنى المتبقي من إيجار شهر فبراير. يقول صادق: "لقد وعدني أن يعيد لي المبلغ، لننتظر ونرى. لا أظن أن الأمر سيكون سيئا بالنسبة له، فهو يحص على تعويض من الحكومة". ويضيف: "هو سعودي، سيكون بخير."