تخطي إلى المحتوى
اللغات
Read in English

مُستهدفون في حرب الآخرين

22 أبريل 2026

13 ةءارق ةقيقد

يتوجّب على العمّال المهاجرين مواصلة السعي لأجل لقمة العيش، حتى وإن كانت حياتهم على المحك

كان سوجان يربط حديد التسليح في إحدى منشآت حبشان للغاز في الإمارات العربية المتحدة عندما سمع انفجارًا هائلًا في السماء.  نظر للأعلى فرأى آثارًا لمسيّرات تخطّ السماء الحالكة في أبو ظبي، عاصمة البلاد. ثم لمح الناحية الأخرى من المنشأة بدهشة، فرأى أعمدة كثيفة من الدخان الأسود الداكن تتصاعد في الهواء. 

قال مُعلّقًا:”اعتقدتُ أنه يومي الأخير. لكنّي ركضت بسرعة إلى مبنى مجاور. ثم استقلتُ حافلةً أخذتني إلى سكن العمال.”

يُعَدّ الهجوم الإيراني الواقع في 3 ابريل على أكبر منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي، واحدًا من مئات الهجمات الجوية على الخليج منذ الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. نجا سوجان بأعجوبة، غير أن عاملًا مصريًا قُتِل وأُصيب آخرون.  

ولغاية 16 من مارس، قُتل ما لا يقل عن 11 مدنيًا كما أُصيب 268 آخرون في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش - يفتح في علامة تبويب جديدة، التي نقلت الخبر عن مصادر حكومية. ولكن إضافةً لهذه الإصابات، يبقى الملايين من العمال معرّضين للخطر، ويعيشون بخوف دائم. وقد أعطى الإعلان الأخير لوقف النار راحةً مؤقتة للعمال، غير أن قلقهم ما فتأ لاحتمال التصعيد. 

يقول سوجان من أبو ظبي: “الوضع الآن أفضل قليلاً. لكنّي لا أعرف ما الآتي. في حال وقوع المزيد من الهجمات، قد لا يحالفني الحظ مرّة أخرى.”

خلال الأسابيع الخمسة من الحرب، استهدفت إيران مجموعة واسعة من الشركات ومحطّات الطاقة والمياه والمطارات والقواعد العسكرية في الخليج. وقد عطّل الصراع الحياة اليومية في المنطقة وأثّر على الاقتصاد العالمي. لكن الذين يدفعون أبهظ الأثمان هم العمال المهاجرون، الذين يشكّلون ما يقارب نصف سكان الخليج.

خلال الأسابيع الماضية، تحدثت MRRORS إلى 15 مهاجرًا في الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. يعمل هؤلاء في محطّات الغاز ومصافي النفط ومرافق المياه والمطارات والمدارس والشركات التجارية. وتكشف شهاداتهم عن هشاشة مواقفهم وقت الحرب، وانعدام حمايتهم، أو توفّر الحماية المحدودة من أصحاب العمل والحكومات. وقال العديد منهم إنهم اضطرّوا إلى مواصلة العيش والعمل في ظروف خطيرة على الرغم من خطر الهجمات الجوية والانفجارات، ومُنعوا من مغادرة المناطق غير الآمنة. وقال جميع العمال الذين تمت مقابلتهم إنّ سلامتهم في خطر، وإن العاملين في محطات الطاقة معرّضون للخطر بشكل خاص.  

 

وظائف خطرة ومواقع عمل غير آمنة

سوجان مهاجر نيبالي بدأ العمل في منشآت حبشان للغاز في أبو ظبي منذ 31 مارس. في ذلك الوقت، كانت الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج قد اشتدّت. لم يكن بمعلوم سوجان أن منشآت الغاز في الإمارات قد تكون مستهدفة، إذ كان يعتقد أن الهجمات تستدف القواعد العسكرية الأمريكية، وبالتالي اعتقد أنها لن تؤثر عليه بشكل مباشر.

في وظيفته السابقة عمل في بناء الطرق في أبو ظبي، وقد اعتقد قبل تولّيه هذه الوظيفة، أن مهامّ العمل ستكون أخف وأن دخله سيكون أفضل. لكن الواقع كان مختلفًا. إذ منذ يومه الأول، أقلقه صوت صفّارات الإنذار ومنظر المسيّرات المحلّقة. وفي اليوم الثالث لتوليه العمل، قُصفت منشآت الغاز. 

يقول: “العمل هنا خطِر. نقلوني (أي أصحاب العمل) هنا في التوقيت الخاطيء.” 

كلّفه صاحب العمل اكسبلورر لخدمات التوظيف (Explorer for Employment Services) بالعمل في أحد المواقع التي استهدفتها إيران في أبو ظبي، الّا أنهم لم يوضحوا له المخاطر المحتملة على سلامته. قال معقبًا: “لم أكن لأنضمّ لو أخبروني بأن المنشأة مستهدفة. لا أستطيع الآن أن أترك وظيفتي، ولا أن أعمل دون خوف.”

وقال بيشال، وهو عامل مهاجر آخر، أنه أُكره على العمل أيضًا في ظلّ الظروف الخطيرة في مصفاة الرويس، وهي أكبر محطة تقطير للنفط الخام في المنطقة. وقال أيضًا أن المصفاة قُصفت ثلاث مرات في صباح العاشر من مارس، ما تسبّب بحريق قريبٍ منه ومن خزانات الغاز الطبيعي المُسال (LNG). 

قال بيشال: ” ضربت المسيّرات على بُعد 300 متر من الخزان، ولذلك نجوت. لو أصابت الخزان ما كُنتُ معك اليوم.”

وبعد الهجوم أُغلقت المصفاة مؤقتًا وتوقّف عن العمل لمدة أسبوعين تقريبًا. ثم طلب منه رئيسه العودة للعمل. لكن بيشال كان خائفًا لأن الهجمات الجوية حول موقع عمله كانت مستمرّة. فطلب إجازة ممتدة، لكن الشركة رفضت طلبه. يقول بيشال: ” قالوا لي أن الوضع أصبح عاديًا الآن ولذلك كان عليّ العودة للعمل. إن المنطقة خطيرة، ولكن ما باليد حيلة. لا تتفهّم الشركة ذلك.” 

ولم يكن وضع العامل النيبالي بيسون في المملكة العربية السعودية مختلفًا. يعمل بيسون في رأس التنورة. وقد شهد هجوم عدّة مسيّرات حول موقع عمله، اعتُرضت العديد منها فوق البحر أمام مرآه. كما تعرّضت رأس التنورة التي تبعد بضع كيلومترات فقط عن موقع عمله للقصف الإيراني الذي تسبّب بحريق وإغلاق مؤقت للمصفاة. 

يقول بيسون: ” أشعر بالخوف من العمل هنا، ولكن أين المفر؟ لا يوجد مكان قريب آمن.” 

وأضاف أن موقع عمله معرّض للخطر بشكل خاص نظرًا لقربه من المنشآت النفطية المستهدفة ، ومحطة دفاع جوي سعودية تعترض الصواريخ والمسيّرات. يقول بيسون: ” لا أحد يريد أن يكون في هذا الموقع خلال الحرب.”

 

"ليس ثمّة أماكن للإيواء. لا شيء من هذا القبيل... إذا وقع أي هجوم، فلا خيار أمامي سوى الموت."

قطاعات غير آمنة

وحتى المهاجرون الذين لا يعملون في محطات الطاقة، يشعرون بقلق إزاء ضغط العمل والمخاطرة بحياتهم وعدم توفّر الحماية. فمثلًا، قال حارس أمن نيبالي يعمل في إحدى المدارس الدولية في لوسيل قطر، أن المدرسة أٌغلقت لمدة شهر بعد اندلاع الصراع في فبراير، تحسبًا لأي هجوم إيراني محتمل، ولم يحضر أي من الطاقم التعليمي والطلبة إذ بٌثّت الصفوف عن بُعد. وعقّب قائلًا: ” لكنّي حارس أمن. من سيعطيني إجازة؟! أشعر بالخوف من العمل هنا ولكن صاحب العمل لا يسمح لي بإجازة في هذا الوقت الحسّاس.” 

وأضاف أنه لم يتلق أي تعليمات عن الأمن والسلامة في حال وقوع هجوم. قال: “ليس ثمّة أماكن للإيواء. لا شيء من هذا القبيل. إذا وقع أي هجوم، فلا خيار أمامي سوى الموت.”  

وقال حارس أمن آخر في إحدى البنوك التجارية في قطر أن خوفه يشتد كلما سمع صفير المسيّرات أو الصواريخ المحلّقة. وعلاوةً على ذلك، فقد زادت مهامّه الوظيفية نتيجة نقص الموظفين. 

“نقص العمّال يجعلني مضطرًا للعمل. لا أستطيع أخذ إجازة. إذا لم أعمل، سوف يُخصم من راتبي، وقد أخسر أجر خمسة إلى سبعة أيام مقابل يومٍ واحد من العطلة.” 

في مارس، عاودَ البنك العمل لساعات محدودة ولم يكن في الموقع سوى بضع موظفين. “الجميع يبحث عن الأمان. ونحن لا نختلف عن موظّفي البنك، غير أن التعامل مع الحرّاس في كلّ مكان مختلف، فهم أكثر من يتعرّض للاستغلال وأكثر من يواجه الخطر.” 

وقد عمل هذا الحارس سابقًا في مطار حمد الدولي في الدوحة لسبع سنوات، بنظام عمل النوبات لمدة 12 ساعة يوميًا. كما يعمل أصدقاؤه هناك. وقد كان المطار أيضًا هدفًا للمسيّرات الإيرانية، وتسبّب الهجوم في اضطرابات واسعة أُلغيت إثرها آلاف الرحلات الجوية وأُغلقت المتاجر وشهد المطار تدفقًا ضئيلًا للركاب. 

“حصل جميع الموظفين على إجازة ما عدا زملائي الحراس. ما الذي يمكنهم فعله؟ إنهم حراس أمن مثلي، ومثلنا لا يحصل على إجازة بسهولة. هذه طبيعة وظيفتنا.” 

وقد توفي بعض حراس الأمن. ففي مطار زايد الدولي في الإمارات مثلًا، توفي الحارس النيبالي ديباس شريسثا في الأول من مارس. وأصيب آخرين. ولم تعلم العائلة بوفاة ابنها لأكثر من شهر. قال والده، تشام بهادور شريسثا أنه عرف عن وفاة ابنه من خلال منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. ثم في وقت لاحق، هاتفته السفارة النيبالية ومهاجرين آخرين في الإمارات.  

وقال:” ولكنهم لم يوضحوا لي تفاصيل الحدث. أريد أن أعرف كل شيء. كيف حدث ذلك.” 

وبعد الهجوم على المطار، أوصت سلطات المطار موظفيها بعدم نشر المعلومات. وحصلت منظمة MRRORS على مذكرة تنصح حراس الأمن بـ “عدم التصوير والتسجيل، ونشر أو مشاركة أي محتوى يتعلق بمواقع الحوادث أو عمليات مواجهة الهجوم أو إعادة نشر أي محتوى على المنصات.” كما مُنع الموظفين من التوضيح أو الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام دون تصريح رسمي.  

تحدثت MRRORS مع اثنين من موظفي المطار المطّلعيْن على الحادث الذي وقع في 28 فبراير، والذين ألقوا الضوء على ما حدث. وطلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفًا من السجن والغرامة.

ووفقًا لتصريحاتهم، كان ديباس يعمل عند بوابات المغادرة في المبنى A، وفي ذلك الوقت كان زملائه منصرفين لاستراحة العشاء. كان الحراس يتلقّون تنبيهات عن وصول مسيّرات ممّا أثار الذعر. وبينما كان ييسّر عملية دخول الركاب عند البوابات، سقطت مسيّرة تحمل متفجرات كان قد تم اعتراضها جزئيًا في موقع عمله فقُتل على الفور.  وبالقرب من ذلك، أصيب حارسان هنديان أيضًا إثر الانفجار ثم نُقلوا للمشفى. وطوّقت الشرطة مكان الحادث ومنعت الناس من التقاط صور أو فيديوهات. 

وبعد أسبوع أُعيدت جثة ديباس للنيبال. غير أن والده صرّح بعدم تلقيهم مستحقاته الكاملة أو التسوية النهائية وأن ممتلكاته لا تزال عالقة في الإمارات. 

” لا أعرف متى سنستلمهم، وإذا كنّا سنستلمهم أو لا. لم تتواصل الشركة معي.”  

وكان المتوفى الشاب البالغ من العمر 29 سنة يعمل في المطار منذ عدّة سنوات. وقد تخلّى عن حلمه في أن يكون مهندسًا نتيجة عدم وجود الفرص المالية المناسبة في النيبال. ورغم التغيّر المهني، كان راضيًا عن وظيفته الجديدة حتى أنه كان يتصل بوالديه ليطمئنهما. 

قال والده من النيبال: ” كان مسرورًا وكان يخطط لزواجه قريبًا. إنه ولدي الوحيد وقد رحل. أي كلمات تصف شعوري؟” 

صرخت والدة ديباس، التي ظهرت في مكالمة الفيديو قائلةً: “نحن قليلي الحيلة. أرجوك تكلّم عن الموضوع لتتم محاسبة المسؤولين عن وفاة ولدي. إنّا نبحث عن العدالة.”

 

"قد تُسقطها الريح [سكن العمال].. فما بالك لو وقع صاروخٌ هنا.. تخيّل ماذا سيحدث؟"

مساكن غير آمنة، ولا توجد مناطق للإخلاء

يقول العمال أن مساكنهم غير آمنة أيضًا. معظم مساكن العمال بعيدة عن مراكز المدن والأحياء التي يقطنها المواطنون والسكان الأكثر ترفًا. وذلك يُعتبر استراتيجيًا لأنها تبقى مخفيّة عن الأعين وبالتالي لا تجرح الصورة البرّاقة التي تطمح دول الخليج أن تُظهرها. كما يعني بُعدها أنها تبقى مُهملة من حيث احتياجات العمال المدنية. ويُعتبر أولئك الذين يعيشون بالقرب من القواعد العسكرية الأمريكية، ومحطات الطاقة، والطرق المُستهدفة من المسيّرات والصواريخ، الأكثر عُرضةً للخوف، لأنهم يخشون الانفجارات أو الشظايا المتساقطة نتيجة الاعتراضات.  

يعيش العامل النيبالي باسنتا في مبنى يبعُد خمس دقائق فقط من قاعدة العُديد الجوية في أبو نخلة، قطر. لم ينم براحة منذ بداية الحرب. وفي إحدى الليالي من مارس، غفا بعد نوبة عمل مرهقة دامت 12 ساعة، وإذا بأحد زملائه يُيقظه ويطلب منه النزول من الطابق الثالث بسرعة، مُحذرًا من الصواريخ والمسيّرات المحلّقة فوق سكنهم. 

يقول باسنتا البالغ من العمر 47 سنة: “لكني لا أستطيع النهوض بسرعة والجري مثل الشباب. كان قلبي يدقّ بقوة. لم أقدر على الحراك وأغمي عليّ.” عندما استعاد وعيه، عرف أن الصواريخ مرّت بسلام دون التسبب بضرر. 

ولكن وعند وقت الغداء في يوم آخر، سقطت مسيّرة تم اعتراضها على الطريق المقابل لسكنه، مُخلّفة حريقًا ضخمًا. هرع الجميع للخارج تاركين طعامهم على الطاولات. ركض باسنتا إلى الرصيف وشهد أعمدة الدخان الكثيفة. قال أنه رأى العديد من المسيّرات حول مقر سكنه وسمع أصوات انفجارات ضخمة قريبة، خلال الأسابيع الخمسة من الحرب. وتسائل باسنتا: كيف يمكنني العيش دون خوف هنا؟” 

كما للعمّال الساكنين بالقرب من الأهداف الإيرانية في الإمارات حكاية مماثلة. 

يعيش بيشال في سكن عمال يبعد حوالي كيلومترين عن قاعدة الظفرة الجوية، التي هاجمتها إيران عدة مرات في مارس، متسبّبة بأضرار. وبعد بضع أسابيع، سقطت شظية من مسيّرة اعتُرضت على بُعد 200 متر من سكنه. قال بيشال صباح الخامس من ابريل:” الوضع متوتر جدًا. استيقظت للتو إثر انفجار ضخم هزّ غرفتنا.” 

كما يقلقه أن تُلحق الشظايا الصغيرة – الواقعة من المسيّرات المعترَضة – ضررًا  بسكنهم المبني من ألواح إسمنتية ضعيفة، و بحسب تعبيره “قد تُسقطها الريح.. فما بالك لو وقع صاروخٌ هنا.. تخيّل ماذا سيحدث؟” 

هذه الغرف المتنقّلة (الكبائن الأشبه بالصناديق) تُعتبر مساكن للعمال في الخليج، وبالأخص للعاملين في مناطق صناعية وصحاري أو حقول نفط بعيدة عن المدن. يتشارك العمال غرفهم. ولأن تلك المساكن غير آمنة، فقد قال عمال محطة توليد الكهرباء أنهم أمضوا ليالٍ عدّة في الخارج مراقبين السماء خوفًا من إصابتهم بالشظايا وهم نيام. 

وليست الشظايا هي المهدّد الوحيد، إذ مع تصاعد الصراع العسكري بين طرفي الحرب، تعرّضت مساكن المدنيين للهجوم أيضًا. ففي 12 من مارس، أُصيب شخصين بعد هجوم مسيّرة على شقة مدنية في المنقف في الكويت. يفصل بين هذا المبنى السكني وسكن العامل النيبالي كولشاندرا بضع مبانٍ فقط.  

كولشاندرا عامل بناء في محطة كهرباء تابعة لشركة نفط الكويت، يسكن في المنقف بالقرب من قواعد الجيش الأمريكي. وعليه فإن المسيّرات والصواريخ الإيرانية حين تعبر الخليج الفارسي تمرّ فوق سكنه. قال كولشاندرا: “إنها تحلّق قريبًا منّا. ماذا لو ضربت سكننا أو سقطت علينا الشظايا المعترضة؟”  

خلال الأسابيع الماضية، امتلأ هاتفه برسائل التنبيه التي تطلب منهم البقاء في أماكن آمنة. ولكن ذلك ليس ممكنًا دائمًا. حسب قوله:”لا توفّر شركتنا الطعام لنا، ولذا، يجب عليّ الخروج للبقالة لتأمينه. أعرف أن ذلك ليس آمنًا، ولكنها ضرورة.” 

وبخلاف الحال هناك بعض العمال الذين لم يتلقوا أي تنبيهات قبل وقوع الهجمات. 

في الثالث من ابريل، وبعد هجوم مسيّرة على موقع عمله في أبو ظبي، نُقل سوجان بالحافلة لسكن العمال في حبشان. وعند وصوله، ظنّ أنه بمأمن، غير أنه سمع انفجارًا هائلًا في مكان قريب وتناثرت الشظايا على سقف المقصف. هرع خارجًا للبحث عن مكان آمن، ورأى مبنىً مجاورًا يحترق وأعمدة كثيفة من الدخان. 

وأشار سوجان:”حدث كلّ شيء بسرعة ولم يكن لأحد أن يتنبأ بما يمكن أن يحدث. الحمدلله أن الشظايا لم تسقط في المقصف.” 

ورغم أن الوضع كان خطرًا، الّا أنه لم يتم إخلاء أي من العمال ممن قابلناهم. قال سوجان:” لم تُخبرنا الشركة عن أي خطط لإجلائنا لمكان آخر، ولم يفعلوا شيئًا لحمايتنا.” 

محاصر وعاجز

يود سوجان العودة لدياره لأنه قلق حول استمرار الهجمات. ولكنه لا يستطيع فعل ذلك لأن جواز سفره ليس معه. فقد صادر صاحب العمل جوازه فور وصوله للإمارات قبل 7 أشهر. 

وقد طالب بجواز سفره غير أن الشركة رفضت قائلةً أن عقده لمدة سنتين لم ينتهِ بعد. أخبروني:”يجب عليك دفع 5 آلاف درهم إماراتي (ما يُقارب 1360 دولار أمريكي)” ويرد سوجان:”من أين لي بكل هذا المال. ولذلك أنتظر ولكني لا أريد أن أكون هنا.” 

وقد أكّد 6 من أصل 15 عامل تمت مقابلتهم أن جوازات سفرهم ليست بحوزتهم، وأنهم على يقين أنهم لن يحصلوا عليها الا بعد انتهاء عقودهم، وهذا ما يُشعرهم بأنهم محاصرون وعاجزون وسط الحرب. 

وعبّر عامل آخر في مصفاة الرويس عن يأسه قائلًا: إن حياتي وموتي بيد الله. لم أعد أكترث لأمر حياتي ولكني قلق ألّا تراني عائلتي بعد موتي.”

"لا أود البقاء ولو لدقيقة. ولكن لا يوجد مُعيل غيري في عائلتي. وفي بلدتي لا توجد وظائف. عليّ أن أبني بيتًا ولذا فأنا مضطرٌّ للعمل هنا."

الإكراه على الاستمرار

رغم أن الخوف الذي يُحيط بالعمال المهاجرين من آثار الحرب حقيقي خاصة مع عدم وجود ضمانات، الّا أن بعضهم يؤكد على عدم قدرته على ترك وظيفته. وبالنسبة لهؤلاء، فإن المعاناة مع الفقر في أوطانهم لا تقل قسوةً عن المخاطر التي يواجهونها في الخليج. 

باسنتا أحد هؤلاء. باسنتا قادم من قرية فقيرة في جنوب النيبال، وهو مساعد بناء في محطة للمياه والكهرباء بين الوكرة ومطار حمد الدولي.

في مارس، وبينما كان يزاول عمله، وقعت مسيّرة قرب موقع العمل، فهرع محتميًا بالحافلة. وفي يوم آخر، وجد شظايا عند مدخل العمل. قال باسنتا:”لكن رغم ذلك لا أستطيع العودة لدياري. أنا مُكره على البقاء هنا.” 

جاء باسنتا لقطر قبل 13 عامًا، وقد دفع رسوم توظيف قدرها 100000 روبية نيبالية (أي ما يقارب 670 دولارًا). استنفد أجره في دفع الفواتير الطبية لوالديه المريضين، اللذين كانا قد توفيا حينها. كما أنفق معظم دخله لسداد دينه. فليس لديه الآن أي مدّخرات. 

قال باسنتا:”لا أود البقاء ولو لدقيقة. ولكن لا يوجد مُعيل غيري في عائلتي. وفي بلدتي لا توجد وظائف. عليّ أن أبني بيتًا ولذا فأنا مضطرٌّ للعمل هنا.” 

يعمل باسنتا 6 أيام في الأسبوع لنوبات عمل تدوم 12 ساعة يوميًا، يكسب منها 1500 ريال قطري (أي 410 دولارًا) شهريًا، ليبني منزلًا طالما حلم به. ولكنه أصبح يخشى الذهاب للعمل. يغادر سكنه عند الساعة الخامسة صباحًا من أبو نخلة مستقلًا الحافلة التي توفرها الشركة، وتمر الحافلة على قاعدة العديد لمدة عشر دقائق تقريبًا قبل التوجه لموقع عمله (مشروع منشأة قطر E لإنتاج المياه والطاقة المستقل).يقول باسنتا: “أشعر بالخطر عندما أصل هناك (أي قاعدة العديد) وأن الحافلة تُسرع لتمر بعيدًا عنه. ليس هذا مكانًا آمنًا للعيش. لو كنت في وطني كنت سأشعر بالأمان.” 

ومع تزايد الضغط والخطر المحتمل لاستئناف الحرب، يظلّ الكثير من العمال الأجانب ذوي الدخل المحدود في الخليج عُرضة للخطر نظرًا لهشاشة وضعهم ووجودهم في مواقع مُستهدفة وإيوائهم في مساكن معزولة وغير آمنة، والحدّ من قدرتهم على المغادرة، ومع ذلك فإن الضغوط المالية في أوطانهم تجعل مغادرتهم صعبة. حتى وإن استأنفت المطارات عملها، فإن مصير العامل وقدرته على المغادرة في حال شعوره بالخطر ودفع مستحقاته كاملة، يبقى رهين إرادة صاحب العمل. يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تضع سلامة وحقوق العمال المهاجرين على قدم المساواة مع سلامة وحقوق المواطنين والعمال الأجانب من البلدان الأكثر ترفًا. وحتى ذلك الحين، فإن كل أزمة جديدة ستُلحق المزيد من الضرر بالعمال المهاجرين معمّروا هذه الأوطان. 

*جميع الأسماء مستعارة حمايةً لخصوصية وهويات العمال، باستثناء ديباس شريستا.

Have you had a similar experience?

Please reach out, we would love to hear from you relating to your experience on this topic.
Your anonymity is important to us and all personal information will remain private.

العمالة المهاجرة في البحرين تتحمّل العبء الأكبر من تداعيات الحرب

20 مايو 2026

يلاتلا لاقملا