في غانا، من تأتي إلى العالم كأنثى، فعليها اكتساب عادة الصلاة واتقانها. فستحتاجها بشدة فيما وهي تتقدم نحو الشيخوخة (...)
وبالإضافة إلى ذلك، إن كان أبناؤك يشنون حربهم اليائسة من أجل العيش، وليس لديهم الوقت الكافي من أجلكِ، فاحسب نفسك بين المهمشين والمنسيين (...)
– أمّا داركو- عاملة المنزل
في منطقة دروبو، تصطف واجهات محلات صغار التجار ومصففي الشعر، على طول الشوارع الطينية برتقالية اللون. وفي أحد هذه الشوارع، اجتمعت حوالي 36 امرأة تحت شجرة توفر بعض الظل لهن. البعض معهن أطفال صغار، وكثيرات يحملن حقائب مقلدة عن مصممين مشهورين، ولكل منهن حكاية. تنقسم النساء إلى مجموعات صغيرة، يجتمعن للتحدث ومشاركة قصصهن وكفاحهن. يبدو البعض صغيرات السن لدرجة لا يصدق معها أنهن عملن لثلاث أو أربع سنوات في الخارج.
وعلى جانب الطريق السريع كوماسي – سونياني، ليس بعيداً عن حدود كوت ديفوار والعاصمة الإقليمية سونياني، تقع دروبو التي تعتبر واحدة من مراكز الهجرة في غانا. ولا يعتبر إقليم بونو المكان الذي يأتي منه معظم المهاجرين فحسب، لكنه أيضا نقطة عبور للمتاجرين بالأشخاص من الدول المجاورة (أنظر الجزء الثاني). وهذه المجموعة هنا تعتبر صورة مصغرة من بيئة أكبر للهجرة. وكلما كانت النساء أكثر انفتاحاً في الحديث، تتكشف أنماطاً جديدة. كثيرات من النساء أُخبرن أنهن ذاهبات للخليج أو إلى كردستان ولكن ينتهي بهن الأمر في العراق.
«اعتقدنا أن كردستان أيضا في الخليج.»
جميعهن ذهبن من خلال «وسيط »، ودفعن ما بين 3000 و 5000 سيدي غاني من أجل الوظيفة. وبالنسبة لأولئك اللاتي ذهبن إلى المكان الذي وُعدن بالذهاب إليه، فقد كن لا يعرفن سوى القليل عن مكان وجودهن. تقول فيف، التي قضت 3 سنوات في العراق منذ 2019، أنها لم تكن تعلم أن الأمر سينتهي بها في العراق. أما كوني فكانت تتوقع الذهاب إلى دبي، ولكنها علمت في أديس أبابا حيث كانت محطة عبورها، أنها ذاهبة إلى لبنان. أريكا، كانت تعلم أنها ذاهبة إلى السعودية لكنها لم تكن تعلم إلى أي منطقة فيها.
لكن، بض النظر عن المكان الذي ينتهي بهن الأمر فيه، فإن قصصهن متشابهة. حتى أولئك اللاتي شعرن أن لديهن صاحب عمل جيد، أو لم يتعرضن لمشاكل فقد كن يستلمن رواتب أقل مما وُعدن بها، وكن يعملن أكثر من 15 ساعة في اليوم، وليس لديهن يوم للراحة. وتضجّ هؤلاء النساء بضحكة جماعية مخنوقة عندما يأتي الأمر لموضوع أوقات الراحة أو يوم الإجازة، حتى أولئك اللاتي كن صامتات، يتحفزن ويشاركن رأيهن، ويشعرن بالإهانة لأن الأمر ليس مطروحاً حتى للسؤال.
تصرخ كوني: «نحن نعمل كل يوم.»
تتبعها أغنيس: «24X7» أي على مدار الأسبوع.
وتشير فيف وهي تضرب بأصابعها: «ننام شوي- شوي (قليلاً)، نحن نعمل بشكل مستمر.»
تقول إيريكا: «والوكلاء لا يردون علينا عندما نحتاج إلى المساعدة.»
تقول لين: «سيخبرك الوكيل أن الجمعة هو يوم إجازة من العمل، لكن المدام في المنزل تقول لا، دفعنا المال وجلبناكن إلى هنا، فعليكن العمل كل يوم نظير ما دفعناه. في يوم الجمعة يكون العمل مضاعف بسبب مجيء أصدقائهم وأهلهم، أو عليك الذهاب إلى منازلهم والعمل هناك.»
تهز أغنيس رأسها غير مصدقة وتقول: «يقول الوكيل أن هذه هو الموجود وعلينا تحمّل ذلك». وتضيف: «أحياناً يقول الوكيل هنا، إذهبي إلى المكتب (في السعودية)، لكن عندما تذهب إلى هناك، تتعرض للصفع والضرب، لا أحد يمد يد المساعدة.»
تتصاعد نبرة فيف وهي تقول: «غير مسموح لنا حتى بالحديث مع أصدقائنا، لا نشعر باللطف هناك إطلاقاً. فعليك أن تعمل حتى إن كنت مريضاً»، وتلتفت إلى رفيقاتها ويتحدثن عن موضوع، يبدو مشتركاً، باللهجة المحلية.
وتقول فيف بإنجليزية واضحة بشكل مدهش، متجاهلة المترجم: «البابا (صاحب العمل أو الأب في الأسرة) أراد أن يمارس الجنس معي وأمسك بثديي. هذا الرجل أجبرني على تدليك أعضائه التناسلية، كانوا يجوعونني إذا لم أمتثل لما يريدون. الماما (الأم) تعرف بالطبع، لكنها تقوم بعمل هذه الإشارة – تمرر أصابعها على عنها في إشارة للذبح بقطع الرقبة- في كل مرة حاولت فيها التحدث عن الأمر. وأخيراً هربت إلى بيت أحد الأصدقاء.»
كان هناك فورة من المناقشات فيما بين النساء، والتعاطف مع بعضهم البعض والحديث عن خبراتهم المشتركة.
«أنظروا ما فعل بي المبيّض». كان جلدها لايزال متأثراً حتى بعد شهور من عودتها، كانت البثور والدمامل تحيط بأصابعها
إهانة وتحقير
تقول ماتا التي أُخذت أيضا إلى كردستان بدون موافقتها أو علمها: «عندما أراد بابا (الأب، رب العمل) ممارسة الجنس معي، أخبرت ماما (الأم، زوجة صاحب العمل)، فاتهمتني بأنني قد فعلت ذلم فعلاً وضربتني. ضربتني هي وابنها. وعندما شكوتهم لدى المكتب (الوكيل)، كل ما فعله هو إعادتي إلى المنزل، ولم يتخذوا أي إجراء حيال ذلك. الأطفال يعتدون عليك جسدياً، والرجال يعتدون جنسياً، ولا يمكنك فعل أي شيء.»
يتحول الحديث نحو أسوأ المهمات التي على هذه النساء عملها، وأسوأ معاملة عليهم تحمّلها. يفيض من الحديث الحزن والهم بسبب فقدان الكرامة، ومن الطرق غير الإنسانية التي عوملن بها. من الصعب متابعة وضبط ما يتم مناقشته.
تقول جوليانا التي عملت في الدمام، السعودية لمدة 4 سنوات: «عليك غسل هذا السجاد الثقيل وكبير الحجم باليد. إنه عمل يقصم الظهر. والأطفال يفسدون كثيرا العمل الذي أقوم به.»
تقول أغنيس: «عليك أن تنقع وتشطف السجاد الكبير باستخدام اليد. بعد فترة، رفضت العمل.»
وتقول كوني: «حتى عندما سقطت من أعلى السلم، أخذوني إلى المستشفى، لكنهم فقط أعطوني بندول وجعلوني أعمل من جديد. هناك إساءة واعتداء بشكل مستمر.»
تقول روزينا: «كان العمل شاقاً، وصاحب العمل يقول، لو متِّ، سندفنك هنا، ولن نرسلك إلى غانا.»
انفجرت النساء ضاحكات عندما قالت إحداهن إنه كان عليها غسل طقم أسنان صاح بالعمل بيدها. «ليس بمقدوري الأكل بعد ذلك.»
وأثار ذلك الضحك، الحديث عن أشياء مشابهة.
«كان علينا غسل صينية اللعاب. باليد»
«وإزالة المحارم الورقية المستخدمة، التي يتركونها في المكان، وبدون قفازات.»
تقول إيريكا التي عملت لدى عائلة في الرياض لما يقارب 3 سنوات، إنهم كانوا يجبرونها على غسل الملابس الداخلية الملوثة بدم الدورة الشهرية، باليد. «ليس حتى باستخدام غسالة الملابس. كنت تتم معاملتنا بازدراء كبير. كانت الفتاة في العائلة ترمي فوطها المستخدمة للدورة الشهرية في المرحاض، وعليّ أن أخرجهم بدون قفاز، أو أي شيء.»
«كانت هناك امرأة مسنّة في البيت. كنت أستخدم يدي لتنظيف كل شي، حفاضاتها، والحمام.»
وتتنهد إحداهم متذكرة: «ثم، إن هناك مبيض الملابس (كلوروكس)»
وتسألها أخرى: «هل تعرفين المبيض؟»
«إنه محلول سيء. وعلينا استخدامه كثيرا في البيت. لا يوجد لديهم قفازات أو أقنعة، الغازات المنبعثة منه كثيرة علينا، لا تحتمل.»
ترينا كوني باطن كفيها: «أنظروا ما فعل بي المبيّض». كان جلدها لايزال متأثراً حتى بعد شهور من عودتها، كانت البثور والدمامل تحيط بأصابعها. «ثم كان عليّ استخدام الماء الحار، وهذا زاد الأمر سوءا. كان لديهم غسالة ملابس لكنهم كانوا يريدونني أن أغسل بيدي.»
إنها ليست قسوة العمل فحسب، ولكن أيضا الكلمات، والمعاملة التي لاتزال هؤلاء النساء يجدن صعوبة في تقبلها. ذلك اليوم الذي شعرن أنه تم النيل فيه من كرامتهم لجعلهم يشعرون أنهم من مستوى أقل.
تقول ماتا: «عندما تقوم بالتنظيف، كانوا يسيرون ورائك ويلمسون الأرض.» وتضيف: «كما يقولون إن رائحتنا غير مستحبة. أي أننا القادمين من غانا، رائحتنا غير مستحبة.»
تود لين أن تعرف ذلك: «هل هذا صحيح، هل بنا رائحة غير مستحبة.»
«قاموا بقص شعري لأنه لايعجبهم. لديهم مشكلة مع شعرنا.»
«ننام في البلكونة، صيفاً وشتاءً. ونذهب للحمام لتغيير ملابسنا.»
تقول مريما التي قضت عدة سنوات في الدمام، موبخة نفسها: «يقولون إننا كسالى، وليس لدينا المال، نأتي من بلد فقير، وأننا مثل الحيوانات، ولا أقول شيئاً حيال ذلك. إنه ليس خطأهم بل خطأي أنا التي ذهبت إلى هناك. لو لم أذهب إلى هناك لما قالوا لي كل ذلك.»
«لا يمكننا الجلوس على الكرسي، نحن نجلس على الأرض.»
«يعتقدون أنه لا بأس في إعطائنا المتبقي من الطعام.»
«ولا يمكننا استخدام أدواتهم للمائدة. علينا استخدام أكواب أخرى، هذا فعلا يجعلني أستاء كثيراً.»
كانت تتصاعد في الجلسة همهمات تقول «سيء جداً، سيء جداً»، فيما كانت الدموع تنحدر من عيني ماتا. رفعت النساء اللاتي يتحدثن بصوت خفيض، أصواتهن لتصبح عالية وتنضح بالحزن والغضب وتركيزهم على مسجل الصوت الذي أمامهن.
واحدة منهن تبدو وكأنها على وشك الاعتذار.
«ولكن، يبدو أنك لطيفة.»
يسخر منها أصدقائها «يبتسمون عندما يأتون لأخذك من مكتب وكيل التوظيف ويكررون «حبيبتي، حبيبتي. سوف يبتسمون بذات الطريقة التي تبتسمين بها الآن في وجوهنا. هذا كله في البداية. ثم، عندما يأخذوك إلى منزلهم، يبدأون في الصراخ، يتغيرون بعد ذلك.»

