من بين الطوابق الأربعة، أقمنا، بشكل رئيسي، في الأول والثاني والثالث. الكلمة المهمة هنا هي، "بشكل رئيسي". وحُشر كل ستة منا في غرفة من الغرف التي تبلغ مساحتها 4 أمتار في 4 أمتار، وكنا ننام على أسرة بطابقين ومعنا متعلقاتنا. إن كلمة محشورين هي قليلة وغير معبرة عن الوضع. ولإضافة الإهانة على الجرح، فإن الطابق الأرضي يشغله حراس يعملون تحت صناعات ميتسوبيشي الثقيلة (MHI)، التي تعمل لصالح مشروع قطار قطر، ويقيم هؤلاء المحظوظون كل ثلاثة عمال في غرفة واحدة. والفضل في ذلك يعود للشروط التي وضعتها MHI. كما أن لديهم ستائر من أجل الخصوصية. وما يستحق الإشادة أنهم يمتثلون لـ لوائح سكن العمال - يفتح في علامة تبويب جديدةفي قطر. أما عملينا المرموق فلم يحصل على هذه المذكرة.
لذا، وعلى ضوء هذا الوضع الصعب، واجهت فكرة التحدث عن الوضع الذي نمر به. حسناً، إنها ليست الفكرة وإنما أكثر منها الطريقة. إن عدم الاجهار ليس خياراً، إلى أنني لا بد من أكون حذرا في تناول الأمر. وما عزز عزمي أن عددا من العاملين في مشيرب العقارية أتوا للكشف على ترتيب إقامتنا، بعد يومين من بدء عملنا. وبينما كنا في العمل، جاء المسئولون عن المساكن العمالية إلى غرفنا، وقاموا بتغيير أماكن الأشياء في الغرفة، وضغط مستلزماتنا لإخفائها أينما وجد مكان لذلك، وذلك في محاولة لإظهار الغرفة بشكل لائق أمام وفد مشيرب العقارية. وبعد يوم طويل من العمل، عدنا لنكتشف هذه الفظائع.
وبعد تفحص الموقع الالكتروني لمشيرب العقارية، وجدت زر الإبلاغ عن المخالفات - يفتح في علامة تبويب جديدةفي الأسفل. نقرت عليه، وقرأت التعريف المنشور لأتأكد أنني حتماً في المكان الصحيح. قمت، وعلى وجه السرعة، بإنشاء بريد الكتروني بعنوان ابداعي، وشرعت في كتابة رسالة الكترونية ضمنتها تظلمنا وشكوانا. وعندما حاولت إرساله لم أتمكن من ذلك، كما أن رقم الهاتف لم يكن مشغّلا. لذلك قمت بالاتصال بخدمات العملاء، للاستفسار، بشكل أكبر عن سياسة الإبلاغ عن المخالفات، واقسم أن الشخص الذي أجاب على الطرف الآخر من الهاتف لم يكن لدية أي علم عما كنت أعنيه بالسؤال. ووجهني لإرسال مخاوفي وما يقلقني بالطريقة الاعتيادية من خلال العنوان البريدي info@msheirebproperties.com.
وفعلت ذلك، مذهولاً. وبقيت منتظراً. وانتظرت أكثر. وبعد مرور ستة أيام عرفت أن انتظاري كان هباءً. ولذلك قررت أن أبحث عن طريقة أخرى.
لست متأكداً كيف علمت أن مشيرب العقارية تتبع مؤسسة قطر. على أية حال، كنت على علم أن مؤسسة قطر هي مؤسسة استثنائية لها رؤيتها وقيمها، ولذلك شعرت بالأمل وأنا اطلع على موقعها الاكتروني وأعثر على ماكنت أبحث عنه: قسم - يفتح في علامة تبويب جديدةالإبلاغ عن المخالفات. وبعد قراءة السياسة، ساورني شعور بالاطمئنان إلى حد ما، قمت بقص ولزق الرسالة الالكترونية، وأضفت إليه أنني حاولت التواصل مع مشيرب العقارية ولم أنجح في ذلك، وتمنيت أن تصل رسالتي تلك إلى من بوسعه الوصول لنا.
ومع الزفير كنت أنقر بقوة على زر "إرسال".
كيف كانت استجابتهم؟
جاء الرد في اليوم التالي. قدم شخص نفسه لي وأخبرني بما يعمل لمؤسسة قطر. ومن ثم طلب مني تأكيد اسم شركتنا ومكان العمل، وهو ما فعلته. شكرني لمشاركتي تلك التفاصيل قائلا إنهم (مؤسسة قطر) سينظرون في الأمر ويتواصلون معي إذا كانت هناك حاجة لمزيد من المعلومات.
قلت لنفسي:"وهكذا ... سارت الأمور على ما يرام"، وكنت أتخيل وفداً كبيراً من مؤسسة قطر ومسئولي الوزارة يأتون لمكان إقامتنا من أجل تحريرنا من سطوة شركتنا عديمة الضمير. (كنت أملك خيالاً نشطاً).
بعد مرور يومين وبدون الوفد الكبير لسوء الحظ، كتبت رسالة بريدية له أستفسر عن اية تطورات على الأمر. فجاء الرد: "أنه تم رفع الأمر للإدارة العليا بمؤسسة قطر ومشيرب العقارية التي سوف تتعامل مع الأمر بجدية." كان الرد مطمئناً.
انتظرت للحل المثير من جانبهم. وانتظرت. وانتظرت أكثر. وبعد مرور 11 يوماً، عاودت إرسال خطاباً الكترونيا أخبرهم أن الوضع لم يتغير. وكان هناك مشكلة مع الكافتيريا فيما يتعلق بجودة الطعام وكذلك الاستبداد الذي يُمارس علينا بسبب الاحتكار الذي كانت تحظى به الكافتيريا في معسكرنا العمالي. وجاء مع ذلك عدد من القضايا التي أوضحتها بالتفصيل. وعبّر عن اسفه لسمع ذلك وطلب مني أن أتحلّى بالصبر والانتظار حتى يتم اتخاذ اجراء بهذا الشأن من قبل الإدارة العليا لمؤسسة قطر ومشيرب العقارية. إلا أنه لم يتركنى خالي الوفاض هذه المرة بل أطلعني علة مراسلات بين مشيرب العقارية ومسئولي الصحة والسلامة والمسئول التنفيذي بمؤسسة قطر. وجاء في الرسائل الالكترونية أن إدارة الصحة والسلامة قد أنهت تفتيشها وتدقيقها لمكان اقامتنا وأصدرت تقريرها الذي يتطلب من شركتنا أن "تتخذ إجراءات تصحيحية لتتحاشى المزيد من الانتهاكات غير المقبولة حالياً ومستقبلاً." وكان الموعد النهائي قد حّدد بأسبوع واحد.
تعاملت مؤسسة قطر مع الأمر بشكل صحيح [...] شعرت فعلا بالأهمية.. فمجرد فكرة وجود من يهتم بمتابعة الموضوع تحقق لدي الشعور بالراحة.ومع ذلك، أعتقد أن هناك الكثير من البيروقراطية في تناول الأمر[...] فمنذ أن قمت بالإبلاغ عن المشكلة في يناير، لا زلنا نعيش في ذات الأوضاع.
كانت تلك أخباراً رائعة. بدت الحرية وكأنها قريبة. وكنت اترقب طيلة ذلك الأسبوع لأشهد التغييرات. إلا أنني لم أر شيئاً، وبعد مرور سبعة أيام عاودت إرسال خطاباً الكترونيا جديدا. وهذه المرة طلب مقابلتي في العمل لنتحدث أكثر. لم أمانع البتة هذه الفكرة حتى طلب مني رقم هاتفي. لم أرَ أمراً خاطئا في ذلك. فربما كان هذا إجراءً متبع في مثل هذه الأمور. إلا أنني لم أرِد الكشف عن هويتي، وهو ما أكده لي من جانبه. وبسبب ارتباكي، سألته إن مكان بإمكانه تأمين وظيفة لي في مؤسسة قطر، تحسباً من أن تعود عليّ تصرفاتي تلك بأمر سلبي غير متوقع. وكان من الواضح أنه غير قادر على ذلك، وبدأت الأمور تسوء من تلك النقطة. فقد كنت أريد أن أوصل صوتي للمسئولين ولكنني أيضاً كان مهماً لدي حماية نفسي. بعضي يرى في ذلك أنانية أن أطلب مثل هذا الطلب؛ بأن أحارب من أجل تحسين وضعنا ولكنني أود حماية نفسي أولاً.
كانت هذه الأشياء التي تواردت إلى تفكري قبل النوم في تلك الليلة. وفي الصباح بعثت له رقمي. ولم يكون هناك رد من جانبه أو اتصال أو بريد الكتروني في ذلك اليوم، ولا في اليوم التالي، ولا فيما بعده.
وهكذا تطورت الأمور ...
مالذي ممكن أن تتعلمه وزارة التنمية الإدارية والعمل والشئون الاجتماعية من مؤسسة قطر
من جانبها، تعاملت مؤسسة قطر مع الأمر بشكل صحيح. ما أعنيه بالصحيح هو أخذ رسالتي الالكترونية على محمل الجد مع أن مرسلها مجهول الهوية، وبرغم أنني لست موظفاً مباشراً في مؤسسة قطر أو مشيرب العقارية. لكنني شعرت فعلا بالأهمية. فمجرد فكرة وجود من يهتم بمتابعة الموضوع تحقق لدي الشعور بالراحة. ومع ذلك، أعتقد أن هناك الكثير من البيروقراطية في تناول الأمر. وربما أيضا، أنني لم افهم تماما كيف تنفذ سياسات رعاية الموظفين، وكم يستغرقها من الوقت. فمنذ أن قمت بالإبلاغ عن المشكلة في يناير، لا زلنا نعيش في ذات الأوضاع، وفي كل محاولة لنا للوصول إلى مؤسسة قطر كنا نحصل على الرد التالي:" تم رفع القضية إلى الإدارة العليا" أو: تم تحويل مخاوفكم إلى الجهات المعنية"، أو "جار التواصل بهذا الخصوص، بين مؤسسة قطر ومشيرب العقارية".
وبالإضافة إلى ذلك، وخلال هذه المراسلات، لم يأتِ أحد من مؤسسة قطر أو مشيرب العقارية لزيارة مساكننا في المنطقة الصناعية. وحاليا، برغم أننا أرسلنا، وبدقة، موقع الفيلا التي تم نقلنا لها خلال فترة الاغلاق، وجميع التفاصيل الخاصة حتى بأرقام المنازل، إلا أن أحداً لم يأتِ للمتابعة، أو يجرى مكالمة هاتفية للاطمئنان على ترتيبات معيشتنا.
وبإمكان وزارة العمل أن تتعلم عددا ًمن الأشياء من مؤسسة قطر، لكنني سأكتفي بذكر ثلاثة منها فقط.
أولاَ، وربما هو الأمر الأهم، توفير منصة تسمح للموظف، ودون كشف هويته، " الإبلاغ عما يقلقه بكل شفافية وسرية ... دون الخوف من التعرض للانتقام". فالمحافظة على النفس يفوق الرغبة في رفع الأمر للمسئولين". فالناس لا يريدون أن يخسروا وظائفهم، أو أن يتعرضوا للترحيل، أو للمحاكمة أو المعاناة من الازعاج الذي قد يجلبه كل ذلك. ولذلك فهم يبقون صامتين ويتحملون ما هم ليسوا بحاجة إليه وليسوا مضطرين لفعله. فعدم الكشف عن الهوية يزيل حاجز التخوف ويمكّن الموظف لمشاركة أكبر قدر من المعلومات التي تساعد في حل المشكلة.
ثانياً، بعد استلام الرسالة الالكترونية مجهولة المصدر، كان على الوزارة أن تعين شخصاً مؤهلاً لمعالجة ما جاء فيها من نقاط في الوقت المناسب. فلك أن تتصور ان الشخص المرسل على الشاشة المقابلة يعيش ترقبا وانتظاراً للحل. وما يجب معرفته عن العمال المهاجرين عند معرفتهم بأن الحكومة تهتم بشأنهم وأنها سوف ترد على تظلماتهم، أن ذلك يحقق ثلاثة أشياء: يعزز معنوياتهم، ويُبقي أصحاب العمل تحت المراقبة، كما أنه يرسّخ صورة قطر كدولة نموذجية لحقوق العمال المهاجرين.
ثالثاً: توفير موقعاً الكترونياً أفضل
وبالفعل، فإن قطر أصبحت رائدة في عدد من المجالات كالاستثمار، والأمن الداخلي، والقطاع الأكاديمي، والرياضة، والبحث، والبنية التحتية، والتنوع الثقافية ... الخ
فلماذا لا ينسحب ذلك على حقوق الإنسان؟
(التجربة والرأي في هذا المقال خاصة بالكاتب. وقامت MRRORS.org بمراجعة الدليل على التواصل كما قدمه الكاتب.)