سوف يكون هذا المقال صريحاً، وربما به بعض التحيز، فإليه ...
في وقت كتابة هذا النص الآن، استلقى على الطبقة العليا من سرير بطابقين، مستمعاً إلى سمفونية من أصوات الشخير، وصوت مكيف الهواء ممزوجاً بضجيج حركة المرور الآتية من الخارج. أضع على أذني سمّاعات، إذا أنني عادة أستمع إلى الموسيقي عندما أكتب، ولكنني في هذه المرة لم أجد الموسيقى التي تتناسب مع جدية هذا الموضوع. ولذلك فأنني استلقى هنا في الظلام والصمت، بالأحرى هو صمت نسبي.
أتشارك في هذه الغرفة التي تبلغ مساحتها 4X4 أمتار مع خمسة أشخاص آخرين، وبالغرفة يوجد ستة خزانات معدنية وتشكيلة متنوعة من المتعلقات الشخصية التي، بسبب طبيعتها، لا يمكن أن تستوعبها الخزانات المعدنية. ولذلك فقد تم وضع بعضها تحت السرير، وبعضها أعلى الخزانات التي ذكرت، فيما حُشر بعضها في أي مكان اتسع لها. كل ذلك يعني أن الغرفة، حقا، مزدحمة بمن وما فيها.
ولأقدم لكم مثالاً على ذلك، فإننا عندما ننهض استعداداً للذهاب إلى العمل، جميعنا نستخدم الشريط الضيق المتبقي من الغرفة بعد أن احتلت الأسرّة والخزانات نصيب الأسر من مساحتها.
لنفترض أننا في الوقت الذي نستعد فيه للعمل... سيتوجب عليك، أولاً، وبحسب مكان الخزانة الخاص بك، أن تمر بين اثنين إلى خمسة من العمال زملاء الغرفة لتصل إلى الخزانة في طريقك من دورة المياه للاستحمام. هناك ثمانية مقصورات للاستحمام لاستخدمنا نحن الـ 72 عامل.
بعدها، تأخذ حاجياتك، وعليك من ثم المحافظة على مسافة تكفيك، من المكان الذي تقف فيه، لتتجنب الاصطدام بشخصين على الأقل في الوقت الذي تنحني فيه لارتداء لباسك الداخلي، إذا لم تقم بذلك في مكان الاستحمام. وحتى إن قمت بذلك فلن يختلف الأمر كثيراً، إذ أن عليك الانحناء لارتداء البنطلون. أي أنه لابد من الانحناء.
مرة أخرى، لا بد من الانتباه للمساحة المحيطة بك في الوقت الذي تلبس فيه قميصك إن كنت حريصاً على عدم لكم فك أحدهم في أثناء ذلك بطريق الخطأ. وحتى إن كان فعلاً بطريق الخطأ فقد لا يُعتبر كذلك. فالتوتر دائما عاليا في هذه الغرفة الضيقة، وليس من مصلحة أحد مفاقمة ذلك.
إن مساحة الغرفة صغيرة جداً إلى الدرجة التي يختار بعضنا، في بعض الأيام، تأخير الاستيقاظ قليلا لتجنب الارباك؟ ما أعنيه أنه إن كنت ستنتظر دورك بترتيب سريرك، فما تخمينك لحجم الغرفة أساساً! أما الشي المضحك حقاً فهو أننا نعمل لصالح شركة معينة وهي تابعة لمؤسسة قطر، وقد جاءنا شخص من الشركة بالفعل من أجل التفتيش على الوضع، واجتاز المكان الفحص. وهذا الأمر مثير حقاً لأن كل شخص من العاملين في مجال عملنا يعلم تماماً صرامة مؤسسة قطر ونبل أهدافها عندما يتعلق الأمر برفاهية الموظفين.
أسئلة كثيرة بانتظار الإجابة
ويمضي الوقت...
وتتشابه المحنة التي أعيشها، إن لم أكن أفضل حالاً، مع غالبية من يعيشون في المساكن العمالية التي تغطي المنطقة الصناعية بالكامل. وإن كان علي أن أصف المكان هنا في كلمة واحدة فهي "كئيب".
ومن المحتمل أن أكتب مقالاً عن هذا الأمر، ولكن حالياً لنتوغّل أكثر في موضوعنا.
ويبدوا أن أمر مشاركة ستة اشخاص في غرفة واحدة، محتملاً لدى مقارنته بثمانية أشخاص. فقد كنت شخصياً ضيفاً على مثل ذلك الوضع، وقد كان أمراً مهيناً للإنسانية. كما أنني استرقت النظر إلى غرف معينة كانت تعود لشركات مختلفة، وكات يقيم فيها عدداً مماثلاً ولكن بظروف صحية سيئة للغاية. أتذكر أن مزيجاً من المشاعر انتابني حينها.
في البداية كان شعوراً بالاشمئزاز مما رأته عيني، وثانياً شعرت بالأسف تجاه القاطنين هناك، وثالثاً شعرت بتقدير الوضع الأفضل الذي نعيش فيه، ورابعاً شعرت بالتشوش من الكيفية والسبب الذي أدى إلى حدوث ذلك، وخامساً كان الشعور بالغضب ثم غرقت في شعور بالحزن.
جميع هذه المشاعر هجمت على دفعة واحدة، ولكنها ليست كل ما شعرت به.
إن مشاركة ست اشخاص في غرفة واحدة لهو أمر سيء، وعندما يتشارك ثمانية في غرفة واحدة يصبح الأمر غير عقلاني أما عشرة اشخاص فهو أمر خارج كل تصور.
لقد سمعت من قبل عن وجود مساكن تأوي عشرة عمال في الغرفة الواحدة، وربما أكثر من ذلك. الآن لا يمكنني التحقق (اقرأ الشريط الجانبي) من ذلك، ولكنى سأستغرب أكثر إن كان الأمر غير صحيح أكثر منه أن كان حقيقياً. فهذا الأشياء أصبحت تحدث فعلاً.

