أمضت سارة ثلاثة أيام في شهر أكتوبر في العمل على مهمة واحدة، وهي مساعدة عاملة منزل على الهرب من منزل الأسرة المسيئة التي تعمل لديها. تواصلت مع كل من نعرف في جدة وما حولها وتمكنت في نهاية الأمر من توفير سيارة تنقلها، لمدة 9 ساعات، مباشرة إلى سفارة بلادها لدى في الرياض، والتي ساعدتها في السفر من السعودية والعودة إلى وطنها بشكل نهائي.
تقول سارة: "كان صاحب العمل عازم على قتلها، لذا كان عليها أن تغادر المنزل". وتواصل سارة: "كانت تتواصل مع أهلها في بلادها الذين بدورهم بدأوا يبحثون عمن يمكن أن يساعدها. وعندما علمتُ بالأمر، تمكنت، لحسن الحظ من مساعدتها على مغادرة المنزل. هي الآن في بيتها في بلدها وتتعافى من الصدمة التي تعرضت لها".
لم تكن سارة تود الكشف عن اسمها أو بلدها. وتصرّ على أنه بإمكانها القيام بعملها عندما تحافظ على السرية التامة، فأي انكشاف، ولو كان بسيطاً عن هويتها سوف يصعّب ما تقوم به. وكانت سارة نفسها قد تحمّلت قبل 7 سنوات الاستغلال كعاملة منزل في السعودية. وبعد عودتها إلى بلادها، انخرطت في العمل على مشروع لدعم عاملات المنازل الأفريقيات في الخليج، وتديره مجموعة صغيرة من النساء من خلال تطبيقات واتس أب وفيس بوك وقنوات وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.
تقول: "كنت أرغب في الحصول على وظيفة أفضل، لأنني أنهيت تعليمي المدرسي كما حصلت على دبلوما، لكن لم تكن فرص العمل متوفرة في بلدي، وكان عليّ أن أوفّر معيشتي، لذلك سافرت إلى السعودية للعمل في أي وظيفة تتوفر لي. لكنني لم أتحمل الإساءة التي تعرضت لها، فعدت بطريقة ما. كان الأمر صعبا في البداية لكنه تحسن بمرور الوقت، وتمكنت، حتى الآن، من مساعدة أكثر من اثنتي عشر امرأة في الهرب من الموت".
تعتقد سارة أن النساء الأفريقيات اللاتي يعملن كعاملات منازل، خصوصاً، هن الأكثر ضعفاً وعرضة للإعتداء.
وتقول: "لا أريد أن أتحدث عمن يتعرض للمعاملة الأسوأ، لأن جميع عاملات المنازل يواجهن أوضاع سيئة. لكن من تجربتنا كنساء أفريقيات، خصوصاً غير المسلمات في منطقة الخليج، لنا وضع مختلف ولا يتم التطرق لمشاكلنا. لا أحد يساعدنا".
هناك وعي أفضل فيما يتعلق بالإساءة التي يواجهها العمال المهاجرين في المنطقة، بسبب زيادة التغطية الإعلامية، ورسائل الواتس أب المتداولة، بالإضافة الى القصص التي يتم تناقلها شفهيا من قبل العائدين مثل سارة.
"وإذا ما قررت الذهاب لتقديم شكوى عن العمل أو ضد صاحب العمل فسوف يغتصبونك ويؤذوك. وهذه هي الطريق التي يهددونك بها للقيام بعملك بهدوء."
برغم الحظر، لا زالت الهجرة من أفريقيا إلى الشرق الأوسط من أجل العمل في ارتفاع
كما أن الحكومات الأفريقية أيضا تعاني مع واقع تجربة مواطنيها في المنطقة، الأمر الذي نجم عنه أحيانا حظراً جزئيا أو كليا على الهجرة العمالية إلى دول الخليج. لكن هناك ما يكفي من الأدلة التي تؤشر إلى أن الحظر لا يمنع الناس من الهجرة إلى الخارج للعمل، وإنما يزيد من هشاشة وضعهم لأنهم يتجهون إلى القنوات غير الرسمية والوكلاء المشبوهين.
فعلى سبيل المثال، فرضت أوغندا حظراً جزئياً على الهجرة العمالية إلى دول الشرق الأوسط في 2016، لكن وزارة النوع الاجتماعي، والعمل والتنمية الاجتماعية تعتقد أن عدد الأوغنديين الذين يعملون في الشرق الأوسط لايزال في ارتفاع سنوياً.
وذكر مقال نشر في مونيتور - يفتح في علامة تبويب جديدة في مايو 2019، يذكر أنه في حين توضح الأرقام الرسمية أن عدد المهاجرين الأوغنديين في المنطقة وصل إلى 31,859 خلال الفترة من 2016 إلى 2018 (21,716 منهم في العمل المنزلي في السعودية)، فإن إجمالي المهاجرين الأوغنديين في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي يزيد عن 100,000 شخص.
وبالمثل، فإن عدد العمال الأثيوبيين الذين يهاجرون من خلال القنوات غير الرسمية، ارتفع في أعقاب الحظر الذي فرضته الحكومة على الهجرة العمالية إلى عدد من دول الخليج في 2013، في ردة فعلها على طرد أكثر من 100,000 أثيوبي من السعودية في العام نفسه.
ورفعت أثيوبيا الحظر في 2019، بعد توقيع اتفاقية عمالية ثنائية مع السعودية - يفتح في علامة تبويب جديدة. ووصل عشرات الآلاف من العمال المنزليين للعمل في السعودية خلال الشهور الأولى بعد التوقيع، الأمر الذي جعل من السعودية الوجهة الأكثر شعبية للمهاجرين الأثيوبيين.
كما حظرت الحكومة الغانية هجرة العمال إلى دول الشرق الأوسط وسحبت رخص وكالات التوظيف الخاصة في 2017 - يفتح في علامة تبويب جديدة، لكن ذلك لم يوقف العمال والوكلاء من المواصلة بالعمل من خلال القنوات غير الرسمية.
التمييز الديني
تقول لينا وهي عاملة منزلية غير نظامية تعمل حالياً في جدة، أنها جاءت إلى السعودية في 2017 من خلال وكالة توظيف غير مسجلة، وأنها وقعت على اتفاقية توظيف لم يتم تطبيقها أبداً.
قيل لها أنها ستعمل في مقهى في الإمارات، وأن السعودية ستكون نقطة عبور (ترانزيت) بالنسبة لها. وتقول لينا أنها أخبرت وكالة التوظيف بصراحة أنها لا تريد العمل في السعودية بسبب ما تسمعه من قصص من العائدين من هناك، مما يشير إلى أنها ستكون أكثر عرضة للمضايقة الدينية فيها أكثر من دول الخليج الأخرى.
وتعتبر الشكاوى من التحرش والتمييز شائعة بين العمال المهاجرين الأفريقيين المسيحيين المتجهين إلى السعودية. وتقول لينا أنها سمعت عن الإهانات الدائمة لخلفيتهم الدينية، وعن أصحاب العمل الذين يضغطون بشكل غير مباشر على العمال للتحول عن ديانتهم إلى الإسلام. كما أن هناك فهم بين العديد من عاملات المنازل أنهن أكثر عرضة للتحرش الجنسي، وأنهم منحلين (أخلاقياً) لأنهن لسن (أو لا "يبدون") مسلمات، بمن فيهم العاملات الفلبينيات المهاجرات اللاتي يعتقدن أنهن يحصلن على معاملة أفضل.
"هناك إساءات في جميع الدول العربية، لكنني أعرف أشخاص أكثر في الإمارات مما جعلني أعتقد أن ذلك سيساعدني على الإحساس بأمان أكبر. كما أنني رغبت في أن أنمو مهنياً وأن أجرب حياة لم تتح لي في بلدي. وكنت أرى ذلك قابل للحدوث من الوظيفة التي أنا على وشك الالتحاق بها. لكنني الآن مجبرة على ارتداء الحجاب، وأعيش أغلب حياتي في تنظيف بيوت تشبه السجن. أنا لست مسلمة ولا أريد أن أرتدي الحجاب".
تتقاضي لينا راتباً شهرياً قدره 650 ريال سعودي (170 دولار أمريكي)، وهو أقل بكثير من 3000 ريال سعودي (800 دولار أمريكي) التي وُعدت بها. التأخير في دفع الراتب، وساعات العمل الطويلة أصبحت أمراً اعتياديا، لكن إن أرادت العودة إلى بلدها، فعليها أن تدفع رسوماً مرتفعة لوكيل التوظيف.
وتضيف: "وكالات التوظيف غير القانونية هي الأسوأ، يجب ألا يأتي أحد من خلالها، سوف يكذبون بلا حدود قبل أخذ أموالك، وبمجرد وصولك، فأنت تصبح تحت رحمتهم تماما لأن وضعك غير قانوني ولا يمكنك حتى الذهاب إلى الشرطة. وإذا ما قررت الذهاب لتقديم شكوى عن العمل أو ضد صاحب العمل فسوف يغتصبونك ويؤذوك. وهذه هي الطريق التي يهددونك بها للقيام بعملك بهدوء."
يمكن معاقبة أصحاب العمل بغرامات كبيرة إذا ما تم ضبطهم وهم يوظفون عمالة غير نظامية، لكنهم غالباً ما يخاطرون لأن هذا التوظيف اقل كلفة، بشكل كبير، من دفع رسوم التأشيرة والتأمين والتكاليف الأخرى الالزامية المرتبطة بالتوظيف القانوني. كما أنهم يتمتعون بسلطة كبيرة على العمال لأنهم غير نظاميين وبالتالي فهم عرضة للاحتجاز والترحيل.
وتقول: "أعرف نساء أعادهم أصحاب العمل إلى مكتب التوظيف عندما مرضن وعانين من الضعف بسبب الإساءة، وطلبوا عاملات أصغر سنا وأكثر صحة" وتضيف: "لا ينظر الينا على أننا بشر، لا أحد يفعل ذلك لإنسان آخر مثله".
وبصرف النضر عن المخاطر، فالكثير من العمال المهاجرين يختارون هذا الأسلوب إذا لم تتوفر القنوات القانونية كخيار متاح لهم بسبب تطلعهم لإمكانية الازدهار المالي المرتقب.
"لكنني الآن مجبرة على ارتداء الحجاب، وأعيش أغلب حياتي في تنظيف بيوت تشبه السجن. أنا لست مسلمة ولا أريد أن أرتدي الحجاب"
نظاميون أم غير نظاميين ...الإساءة هي نفسها
برغم أن مكاتب التوظيف غير النظامية تشكل مخاطر كبيرة على العمال المهاجرين بسبب صعوبة مسائلتهم، إلا أن الوكالات المسجلة أيضا مسئولة عن الكثير من العنف الذي تواجهه العمالة المنزلية.

