والمعروف أن نظام الكفالة، في أحسن الأحوال، يعرّض العمال المهاجرين – خصوصاً متدنيي الدخل- لأشد أنواع الاستغلال ويكرّس، بشكل كبير، من اعتمادهم على صاحب العمل/الكفيل للعيش والعمل. أما في أوقات الأزمات فهذه الأوضاع تتفاقم وتشتد قسوتها كما شهدنا ذلك مرات عدة من قبل. فقبل 6 سنوات، عندما أثّرت جائحة كوفيد 19 على العمال في كل العالم، عانى العمال المهاجرون في دول الخليج وكانوا الأكثر تضرراً بسبب أوضاع معيشتهم غير المتماشية مع سياسات ومتطلبات الصحة العامة الطارئة في هذه الدول.
وتبدو الحرب الجارية والتصعيد الذي يستهدف دول الخليج، وكأنه تكرار لما حدث خلال الجائحة الماضية، ولكن بصورة أشد. فالإفلات من العقاب للمتسببين في حرب إبارة الفلسطينيين مؤخرا، عظّم طموح أمريكا وإسرائيل لشن حرب توسعية غير مبررة للبحث عن أهدافاً جديدة وضحايا جدد. ويُذكر هنا أنه كان يُنظر دائما لدول الخليج على أنها منطقة آمنه وإن قُيّدت فيها الحريات الشخصية، ماعدا الكويت التي شهدت شكلا من أشكال الاعتداء العسكري في التاريخ الحديث.
وفي حين اعتاد كثير من العمال المهاجرين متدنيي الدخل لساعات العمل الطويلة، والحرارة القاسية، والأجور المنخفضة والعمل المجرد من الكرامة، إلا أن ما تعرضوا له في الأحداث الأخيرة كان خارج الحسبان. فلم يكونوا مستعدين لسماع أصوات اعتراضات الصواريخ وهجمات المسيّرات، والحاح دوي صفارات الإنذار في خلفية يومهم العملي. مثال على ذلك عمال التوصيل الذين أصبحوا يواجهون أسوأ مخاوفهم، فيما يقومون يتوصيل الطعام بينما هناك الكثير مما يجري حولهم ويمسّ حياتهم وسبل عيشتهم.
وبحسب هيومن رايتس ووتش - يفتح في علامة تبويب جديدة، «حتى 25 مارس، راح عدد من العمال المهاجرين ضحية للصراع الدائر في دول الخليج، ومن بين الوفيات، سائق باكستاني - يفتح في علامة تبويب جديدة، وحارس أمن نيبالي - يفتح في علامة تبويب جديدة، وسائق شاحنة نقل مياه بنغلاديشي - يفتح في علامة تبويب جديدة، وذلك حسب - يفتح في علامة تبويب جديدة وسائل الاعلام - يفتح في علامة تبويب جديدة نقلاً - يفتح في علامة تبويب جديدة عن - يفتح في علامة تبويب جديدة مسئولين - يفتح في علامة تبويب جديدة. كما أن هناك عدد من الإصابات بين المهاجرين.»
ومن المرجح أن ترتفع هذه الأضرار البشرية في حالة اندلاع الحرب بنطاق أوسع من جديد إذ سيكون هناك ضحايا الحرب الذين لا يُساءل عما يصيبهم من ضرر، ولكنهم يعوضون بشكل أو بآخر. إلا أن هناك أعداد أكبر من الضحايا الذين لا يتطرق لهم أحد، مثل هؤلاء الذين يتم الاستغناء عن خدماتهم سريعاً وإن بشكل مؤقت، أو الذين يكون لفقدانهم أجورهم آثارا ممتدة عبر الحدود بتأثر أسرهم المعتمدين على ما يصلهم من تحويلات مالية من ذويهم للإنفاق على معيشتهم.
ما المأوى؟
بين التباعد الاجتماعي و«الإيواء في مكان معين»، نجد أن كلاهما لا يتضمنان إرشادات ذات جدوى عند يتعلق الأمر بالعمال من ذوي الدخول المتدنية. وكما كان من المستحيل أن يتحقق التباعد الاجتماعي في أماكن السكن المكتظة، فإن الأمر يبدو أكثر صعوبة بالنسبة للإيواء في مكان معين.
السفارة الأمريكية اقترحت في أول تنبيه أطلقته لمواطنيها بخصوص «الإيواء في مكان معين» في ١ مارس، التالي ضمن مقترحات أخرى: - يفتح في علامة تبويب جديدة
- ابحث عن مكان آمن في منزلك أو في أي مبنى آخر آمن وأمّن الطعام والماء والأدوية وأية مستلزمات ضرورية أخرى.
- تجنّب التجمعات والتظاهرات، خفف ظهورك الاجتماعي وانتبه لمحيطك.
- تابع البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة القطرية والسفارة الأمريكية
- اتّبع إرشادات وتعليمات السلطات المحلية
- راقب وسائل الإعلام المحلية للأخبار العاجلة، وكن مستعداً لتعديل خططك
- تأكد من شحن هاتفك النقال، وكن على تواصل مع الاهل والأصدقاء وواظب على ابلاغهم عن وضعك.
قد تبدو هذه الخطوات، للبعض، سهلة التطبيق، لكن الأمر مختلف بالنسبة للعامل المهاجر الذي يعتمد بالكامل على صاحب عمله لتوفير الطعام والمأوى، بالإضافة إلى محدودية حصوله على هذه المعلومات المهمة باللغة الأم. أما بالنسبة لمساكن العمال، فهي ليست مكتظة وحسب، وإنما هي كبائن متهالكة في مواقع نائية خارج المدن الرئيسية. وبالتالي، فإن امكانية توفّر احتياطات إضافية من أية مستلزمات ضرورية في أماكن السكن هذه، غير واردة تماماً. ويشار هنا إلى أن العمال الذين يتولون إعداد وجباتهم بأنفسهم، بالكاد يشترون الأساسيات بشكل يومي، فيما البعض يتكفل أصحاب العمل بتوفير الطعام لهم من خلال خدمات التموين. ويعاني العمال من بقاء أجورهم ثابته لا تتغير، بل وتنخفض أحياناً، وإن ارتفعت أسعار المواد الغذائية. والأمر يتفاقم ويصبح الوضع أكثر بؤساً في حال لا يتسلّم العمال أجوراً ثابتة، ويعتمدون على العمولة. ويعتبر الصيادين هم العمال الأكثر تضرراً لاعتمادهم في كسب معيشتهم على العمولة التي تحدد بناء على صيدهم من البحر. والمعروف أن الصيد في مياه الخليج العربي ينطوي على مخاطر حتى في أوقات السلم، مما يضع الصيادين في وضع هش دائماً.
أما في حالة عاملات المنازل المقيمات في منازل الأسر التي تعملن لديها، فقد لا يكون الطعام والمأوى أمراً مقلقاً، بقدر معاناة هؤلاء من صعوبة الوصول إلى المعلومات، والعمل لساعات طويلة أكثر من المعتاد. وهناك أيضاً عمال التوصيل الذين يعتمد كسبهم على العمولة فيقعون بين المطرقة والسندان. وقد ينظر لما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي من صور ورسائل، تمجيداً لشجاعة هؤلاء في توصيلهم الطلبات تحت فرقعات مصدات الصواريخ فوق رؤوسهم، إلا أنه في الوقت نفسه يؤدي إلى تطبيع الاستغلال المتفشي في هذا القطاع من العمل المؤقت في الاقتصاد. ولا يُنسى من المتضررين في هذه الأوضاع، العمال غير النظاميين.
إن مقال الرأي هذا لا يسعى لتحليل تأثيرات أهداف وتأثيرات هذه الحرب العبثية وغير القانونية، وإنما تفكيك وضع العمال الذين يجدون أنفسهم، مرة أخرى، في مواجهة نار الوضع حرفياً ومجازياً. فقد بدأت فعلياً عملية انهاء العقود و إلزام العمال والموظفين الأجانب بالإجازات القسرية. أما هؤلاء الذين سافروا لقضاء إجازاتهم السنوية التي صادفت هذا العام شهر رمضان فقد أصبحوا يعانون من صعوبة العودة، ناهيك عما يواجهونه من تهديدات بالاستغناء عن خدماتهم.

