كعادته التي تسبق كل إقلاع يطلب طاقم الطائرة من الركاب إغلاق هواتفهم. وكعادتهم قبل الامتثال وقطع الاتصالات يتأفف المسافرون تمنعاً وكسباً لبضع دقائق إضافية يودِّعون فيها أحباءهم للمرة الأخيرة. فمن يدري متى سيتمكنون ثانية من التحدث مع أمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وأصدقائهم؟ سوف تمضي على الأقل بضعة أيام قبل أن يحصلوا على شريحة هاتف في بلاد أخرى. وربما يستعيرون هاتف أحدٍ ما، غريب أو زميل جديد، لإيصال خبرٍ سريع عن وصولهم بالسلامة.
في وقت متأخر من بعد ظهر ذاك الخميس بمطار "حضرة شاه جلال في داكا" كانت هناك ثلاث طائرات ممتلئة تماماً متجهة إلى مدن مختلفة في منطقة الخليج العربي، وكان جمال في الرحلة الذاهبة إلى الدوحة حيث يفترض أن يستقل هناك طائرة أخرى تأخذه إلى مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية. وهو المهاجر المتمرس الذي أمضى سبع سنوات في السعودية، تلتها خمس أخرى في الإمارات العربية المتحدة، وها هو في طريق عودته إلى السعودية من جديد.
في الطائرة جلس خلفه راكب مستجدّ على السفر لم يتمكن من التعامل مع حزام الأمان إلا بالاستعانة بابن بلده الجالس في المقعد المحاذي له عبر الممشى، بينما تقبض يده على مصنف ورقي أخضر اللون طُبع عليه اسم وكالة التوظيف بخط واضح وعريض، وحقيبة سوداء صغيرة وجواز سفر ونسخة من تأشيرة الدخول ومحفظة. وطيلة الوقت كان يضع مقتنياته الثمينة، حتى أثناء الغداء، في حضنه لا في المقعد المجاور الفارغ ويضغط فوقها بيده اليسرى، ليأكل لقمة زبدة بالملعقة دون أن يعرف ما هي، ملطخاً وجهه الذي تجمع ملامحه بين السرور والاشمئزاز من الطَعم في الوقت ذاته. وليبدأ هكذا فترة أخرى من حياته مليئة بتجارب جديدة وغريبة.
أما جمال فقد بدا قلقاً ومشغول البال، لكن ليس بسبب المكان إذ سبق له أن قام بمثل هذه الرحلة عدة مرات، رغم أنه لحظ أمراً مختلفاً هذه المرة.

وبلغة هندية ممزوجة بالبنغالية علّق متسائلاً "هناك الكثير من النساء البنغاليات مسافرات، أليس كذلك"؟
وبدا قلقه مشوباً بشيء من الاستهجان. "أتحدثينني عن التأشيرة الحرة؟ إنها ليست جيدة"! لعله كان يفكر بهموم الوصائية أو يتذكّر ما كان قد واجهه سابقاً في دول الخليج العربي! أو على الأرجح للسببين معاً.
على الرغم من أنه هو ذاته يسافر بتأشيرة حرة
ليست حرة الفيزا هذه، صح؟
بسخرية يجيب: "Aat lakh beez hazaar taka free".
فبعد أن ساعده شقيقه الذي يعمل في مدينة الطائف للحصول على التأشيرة، كلفته في بنغلاديش 820 ألف تاكا (حوالي 10.500 دولار أمريكي). اقترض لأجلها مائتي ألف تاكا وسدد بقية المبلغ من مدخراته. و"يتوجب عليّ الآن تسديد 20 ألف تاكا شهرياً لمدة عام كامل، لأعود بعدها حراً"!.
ويردف قائلاً "لقد ذهبت مرتين للعمل في إحدى الشركات بعقد عمل عادي. ولكن بلا جدوى، حيث لا يمكن للمرء أن يتقاضى ما يكفيه، بينما بالتأشيرة الحرة من الجائز أن تكسب مائة ألف شهرياً أو لا تكسب شيئاً على الإطلاق".
يطلب زجاجة "تايغر" فيحصل على علبة "فوسترز" بدلاً منها. فيقول بالانكليزية متحسراً "هذه آخر فرصة للمرح، لا يمكننا الحصول عليها في السعودية".
تارة يريد أن يمزح وتارة يعتريه القلق وتارة أخرى ينتابه الفضول حول حياتي، لكن أكثر ما يشغل باله هن أولئك النساء الخائفات في طريقهن إلى بلاد غريبة.
تصدير المواطنين
مارست بنغلاديش كل الضغوط الممكنة لفتح أسواق الخليج العربي أمام مواطنيها، سعياً منها لتوقيع مذكرات تفاهم مع دول مجلس التعاون الخليجي. وهي البلد الذي يعاني من مشاكل متنوعة (زيادة سكانية وفقر مدقع وبطالة وقلة فرص العمل ومن آثار التغير المناخي).
وكما هو حال البلدان الأخرى المصدرة للعمالة تشكل عائدات التحويلات المالية للمهاجرين نسبة 7.9% - يفتح في علامة تبويب جديدة من إجمالي الدخل المحلي. وفي موسم 2015/2016، ورد من بلدان الخليج وحدها ما يقارب نسبة 60% من التحويلات المالية البالغة قيمتها 14.93 مليار دولار - يفتح في علامة تبويب جديدة.
أما العمال فقد ارتفعت بالنسبة لهم تكلفة الهجرة بما لا يتماشى مع مستوى الأجور التي يتقاضونها.
تقارير صحيفة "دايلي ستار" - يفتح في علامة تبويب جديدة:
تبين في دراسة عام 2015 أن معدل تكلفة الهجرة الوسطي للفرد الذكر بلغت 380 ألف تاكا ومائة ألف تاكا للأنثى في عام 2014.
الدراسة التي أعدتها "وحدة أبحاث حركات اللجوء والهجرة"، لصالح جامعة داكا والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، كشفت أن المهاجرين الذكور يقومون بتحويل 200 ألف تاكا سنوياً لبلدانهم مقابل 80 ألف تاكا قيمة تحويلات الإناث المهاجرات.
أي أن العامل الذكر يحتاج إلى عامين لاستعادة تكاليف هجرته بينما تحتاج المرأة المهاجرة إلى عام وثلاثة أشهر..".

