
توجّه نحو 230,000 عامل مهاجر نيبالي إلى دول الخليج خلال عامي 2018 و2019 فقط. ويتركز غالبيتهم في قطر، والإمارات والسعودية. وتعتبر قطر هي الوجهة الأولى بالنسبة للعمال النيباليين المهاجرين، إذ توظّف نحو 30% من إجمالي النيباليين العاملين في الخارج في هذه الفترة. ويركز هذا التقرير على قطر لمعرفة أسباب الوصول، ومن المهم التأكيد على أن تقرير العمالة النيبالية لعام 2020 يوضح حدوث نسبة عالية من الوفيات غير المبررة في عدد من دول المقصد وخصوصاً في السعودية
قال سكرام لزوجته ريتا في مكالمة فيديو أجراها من قطر مساء أحد أيام الجمعة في أبريل 2020: "ستكون هذه هي المرة الأخيرة التي أعمل فيها في هذا البلد" وقبل التوجه إلى فراشه، وعدها بأنه "سوف يعود إلى الوطن بعد عام ويبقى معها بعد ذلك".
لكن وعده لم يتحقق أبداً. ففي وقت لاحق من الليلة نفسها، اشتكي سكرام فجأة من ألم حاد في صدره. وقام زملاؤه العمال، على الفور، باستدعاء الإسعاف، لكن كان الأوان قد فات، ولفظ أنفاسه الأخيرة في غرفة ضيقة في واحدة من أكثر الدول ثراء على وجه الأرض – قطر.
وعزت إدارة الصحة العامة في قطر، الوفاة، إلى "فشل حاد في وظائف القلب نتيجة أسباب طبيعية". إلا أن زوجته اصابتها الحيرة من وفاته الغريبة. قالت ريتا: “قبل ساعات قليلة فقد وجدته بخير تماماً" مضيفة: "لا أدري مالذي جرى له. كيف يمكن أن يموت بهذه الطريقة."
وبحسب علمها، فإن سكرام (35 عاما)، لم يكن يعاني من أية مشاكل صحية. كم أنه لم يكن يتناول أي أدوية. كان "لائقاً" طبياً، ولم يكن، وفقا لتقرير الفحص الطبي قبل السفر، يعاني من أي مرض في القلب.
بعد وفاة المعيل الوحيد للأسرة، ترك الابن ذو الـ13 عاماً المدرسة وبدأ العمل كعامل في مدينته الواقعة في منطقة بارديا في النيبال.
تقول ريتا وهي تبذل ما في وسعها للمحافظة على رباطة جأشها: "الآخران - ابنتنا وابننا الأصغر – يذهبان للمدرسة الابتدائية، لكني أجد صعوبة في إعالتهما لأنني لا أملك المال." وتضيف بصوت مخنوق: " كان لدينا حلم أن نعيش في منزلنا الذي بنيناه حديثاً، لكنه لن يعود الينا أبداً."
وبرغم عمله في قطر لأكثر من 6 سنوات، إلا أن زوجة سكرام لم تتسلم أي تعويض من صاحب العمل. كما لم تتلقَ أي توضيح بشأن وفاته، إذ لم يتم إجراء أي تشريح بعد الوفاة.
ولم يكن موت سكرام وحده، الغارق في الشكوك.
فهناك تزايد في عدد وفيات العمال المهاجرين النيباليين في قطر، وفي دول مقصد أخرى، لم يقدم لها أي تفسير في ظل تجاهل حكومتي كل من النيبال ودول المقصد التأكد من الأسباب الكامنة وراء هذه الوفيات.
حالات للدراسة
Qatar-Case-Studies.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
Qatar-Case-Studies-2.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
ويكشف تحقيق MRRORS.org القائم على السجلات الطبية، وعقود العمل، والصور، ووثائق السفر بالإضافة إلى شهادات عائلات الضحايا، عن صورة قاتمة للوفيات المفاجئة التي ليس لها تفسير. فغالباً لا تثير وفيات المهاجرين من الشباب و"اللائقين طبياُ" أية أسئلة، ويتم تصنيفها على أنها "أسباب طبيعية" ويتم إغلاق الحالات دون محاولة تجنب حدوث وفيات مستقبلية.
وتؤشر الوثائق التي قامت MR بمراجعتها، إلى أن إدارة الصحة العاملة القطرية، أصدرت شهادات وفاة دون إجراء أي تحقيق لمعرفة الأسباب الحقيقية للوفاة، برغم أن أعمار هؤلاء العمال تتراوح بين العشرينات والثلاثينات، كما أنهم يحملون شهادة تدل على أنهم يتمتعون بصحة جيدة وفق فحوصات إلزامية يخضعون لها قبيل المغادرة.

كما أن الإبلاغ عن الوفيات هي عملية عشوائية، حيث لا يلتزم صاحب العمل أو السفارة النيبالية لدى قطر بأن يكونوا أول من يبلغ الأقرب من الأهل بخبر الوفاة. وعوضا عن ذلك يعرف الأهل عن الوفاة عندما ينقطع العامل الذي اعتاد التحدث معهم يوميا تقريبا، عن التواصل لعدة أيام وبالتالي يقوموا بالاتصال بزملائه للاستفسار عن الانقطاع – وغالباً ما يعرفون من خلال تلك المكالمة عن وفاة ابنهم.
ولايقل عدد النيباليين المهاجرين الذين توفوا في خلال الفترة من 2008 و2019 في قطر، عن شخص1,095. ويعادل هذا العدد ثلث إجمالي الوفيات التي حدثت في جميع دول الخليج. وبحسب مجلس التوظيف الخارجي النيبالي - يفتح في علامة تبويب جديدة، فإن الحكومة مسئولة بشكل كامل عن رفاه العمال المهاجرين.
قال يوبراج نيبال، أحد مؤسسي مركز الهجرة والعلاقات الدولية (CMIR) وهي منظمة غير ربحية أسسها العائدون من العمال المهاجرين:" لا بد وأن يكون العدد الفعلي لوفيات العمال أعلى مما تم الإبلاغ عنه، إذا أن الأخير هو عدد الحالات التي تسلّمت العائلات فيها تعويضاً". وتستثني بيانات المجالس العمال غير النظاميين لعدم القدرة على المطالبة بالتعويض بحسب القانون النيبالي."
ولم توفّر السفارة النيبالية في قطر التي تتبّع جميع الوفيات، البيانات، لكنها ردت على MR عبر البريد الالكتروني بأنهم يقومون حاليا بالترتيب لإعادة ثلاثة جثامين إلى الوطن.
وبرغم الاختلاف الطفيف في الأرقام التي تشاركها منظمات مختلفة حول وفاة العمال، إلا أن جميعها تشير إلى أن الغالبية توفوا بسبب "سكتة قلبية"، و"فشل في وظائف القلب"، وأسباب طبيعية. وجميعها مصطلحات تصف "حدث الوفاة" أو طريقة الوفاة ولكنها لا تحدد السبب الكامن وراء الوفاة.
حالات للدراسة
Qatar-Case-Studies-3.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
Qatar-Case-Studies-4.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
وفي تقرير حديث، اتهمت منظمة العفو الدولية - يفتح في علامة تبويب جديدة السلطات القطرية بـ"الفشل في التحقيق بشكل "صحيح" في وفيات العمال. الأمر الذي يصعّب تحديد الأسباب الكامنة للوفيات، و"استبعاد أي تقييم لأية أسباب لها علاقة بالعمل."
وقال د. ميغناث ديمال، كبير مسئولي البحوث في مجلس البحوث الصحية النيبالي (NHRC): " تعتبر مسببات السكتة القلبية مهمة بالنسبة للأطباء المهنيين ". مضيفا: "إن القول بأن الوفاة تعود لأسباب طبيعية، حرفيا، ليس له أي معني."
وأضاف أيضا أنه في حالة قطر، قد يكون الأمر مرتبطاً بأوضاع العمل، أو قد يكون نتيجة للتعرض لإجهاد حراري حاد بسبب العمل في درجات حرارة عالية دون شرب قدر كافي من الماء.
وكان بعض العمال قد أبلغوا، بأنفسهم، عن تعرضهم لإجهاد حراري في موقع عملهم قبل وفاتهم. وأبلغ سكرام، الذي يعمل في صيانة منصات النفط في قطر، زوجته مراراً بأنه كان عليه العمل في دراجات حرارة عالية. تقول ريتا:"كان يقول إن وظيفته صعبة ولكن كان عليه القيام بها لعدم نوفّر بديل عنها".
وبشكل مشابه، عمل غنغارم ماندال (34 عاماً)، والقادم من منطقة سابتاري ، جنوب شرق النيبال، تحت أشعة الشمس الحارقة في موقع إنشاءات. وتوفي في يوليو 2020 بينما كان نائما. وكما هو متوقع، ذكرت شهادة الوفاة، إن سبب الوفاة هو فشل في وظائف القلب (لأسباب) طبيعية، لكن عائلته يشكّون في أنه "عمل حتى الموت".
وبحسب زوجته، لاديواتي ديفي ماندال: “كانت صحته ممتازة، لم يتناول، قط، أي دواء له علاقة بالقلب." وتضيف: "لكنني أعلم أنه كان يعمل طيلة اليوم في قطر، مهما كان ارتفاع درجة الحرارة."
ووجد تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية - يفتح في علامة تبويب جديدة في 2019، أن العمال المهاجرين الذين يعملون في الخارج، يتعرضون لمستويات "عالية" أو "قصوى" من الإجهاد الحراري. وكشفت الدراسة عن أن ثلث العمال الذين تمت مقابلتهم عانوا من الجفاف وارتفاع درجة الحرارة في مرحلة ما.
حالات للدراسة
Qatar-Case-Studies-5.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
Qatar-Case-Studies-7.pdf - يفتح في علامة تبويب جديدة
"السكتة القلبية": السبب الأول
قبل يوم واحد من وفاته، أخبر محمد صلاح الدين (24 عاماً)، زوجته خلال محاثة هاتفية، أنه يخطط للعودة سريعاً إلى الوطن. كانت زوجته مدينة خاتون تسرد آخر حديث بينهما فيما كانت تجلس على شرفة بيت خشبي رث في منطقة سابتاري في النيبال.
تقول: "كان يبدو متحمساً كثيراً على أمل أن يرى ابنته للمرة الأولى. لكن هذا لن يحدث أبداً." وفيما كانت تنظر للصورة الوحيدة لزوجها في هاتفها النقال، انهمرت الدموع على خديها.
تركت وفاة صلاح الدين، مدينة، أرملة في عمر الـ 22 وابنة عمرها عامين لم تلتقِ والدها أبداً، وديناً ضخماً ليس لديها أدني فكرة عن كيفية تسديده. تقول خاتون التي عاشت معه لستة شهور فقط: "من سوء حظنا أنه لن يكون معنا بعد الآن".
ولم يكن لدى صلاح الدين أي مصدر للدخل عندما غادر إلى قطر، على أمل كسب راتب لائق، تاركاً ورائه زوجته الحامل. وفي أغسطس 2018، بدأ العمل كعامل تنظيفات. بعد ثلاث سنوات، توفي صلاح الدين، وتنص شهادة الوفاة على أن سبب الوفاة هو "السكتة القلبية". وتجد أسرته صعوبة في تقبّل ذلك.
قالت نونو خاتون، والدة صلاح الدين باكية: "لم يتحدث قط عن أية مشاكل صحية، ولم يمرض قط، كان قوي البنية وشاباَ. لا أظن أنه توفي بسبب مشكلة في القلب."
ولم يكن ضمن الوثائق التي تسلمتها عائلة صلاح الدين مع جثمانه، تقرير تشريح ما بعد الوفاة.
يلتزم قانون التوظيف الخارجي النيبالي، الصمت تجاه التحقيق في وفاة النيباليين في الخارج، فيما لا يحدد قانون الإجراءات الجنائي النيبالي - يفتح في علامة تبويب جديدة ما إذا كانت أحكامه الخاصة بفحص ما بعد الوفاة تنطبق على حالات العمال المهاجرين. وتفتقر القوانين النيبالية الحالية للوضوح حول كيفية القيام بفحص ما بعد الوفاة والتشريح، أو أي تحقيق من أي نوع فيما يتعلق بوفيات العمال المهاجرين في الخارج.
وينص القانون على أنه في حالة القتل والانتحار والأوضاع غير الاعتيادية، يتوجب على سلطات التحقيق الذهاب إلى موقع الجثة وفحصها، وإرسال طبيباً لإجراء التشريح.
وبحسب تقرير الهجرة العمالية النيبالية - يفتح في علامة تبويب جديدة، فإن "السكتة القلبية" كانت هي السبب الرئيسي للوفيات التي يُبلغ عنها بين العمال المهاجرين النيباليين في قطر في الفترة ما بين 2008 و2019، وهو ما يمثل 45% (489 عامل) من إجمالي وفيات النيباليين في البلد.
وبرغم أن "السكتة القلبية" التي تحدث في المساكن العمالية تشكل النسبة الأكبر من وفيات العمال، إلا أنها لا تصنّف على أنها وفيات في موقع العمل، وبالتالي فلا يتم التحقيق في أسباب حدوثها كما لا يتم التعويض عنها. إلا أن البند 3 من اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرش (C190) تعيد تعريف مكان العمل لتضمنه "الأماكن التي يحصل منها العامل على أجره، والتي يقضى العامل فيها أقات الراحة ويتناول الوجبات، ويستخدم فيه المرافق الصحية ويقوم بغسيل وتبديل الملابس" وحيث "يوفر صاحب العمل مكان الإقامة". ومع ذلك، فإن التقرير الذي أصدرته منظمة العمل الدولية حديثاً حول إصابات العمل في قطر (أنظر الإطار أدناه) لا يتضمن هذه الوفيات في تحليله.

