العدالة ليست سوى مزحة
أصبح ذهابي إلى مكتب العمل، اعتياديا. كانت نزاعات عمالية هناك تستغرق 8 أشهر. عندها استسلمت وبدأت التواصل مع عدد من منظمات حقوق الإنسان الدولية. وبعد مرور شهر، وبينما كنا في خضم هذا الوضع، جاءت شاحنة بـ7 أشخاص من المطار وأوصلتهم ليشاركونا الغرفة المكتظة أصلا بنا. وعندما ارتفع عددنا من 10 إلى 17 شخص، كان علينا أن نتناوب للنوم فيما كان بعضنا ينامون فوق السطح. كان الأمر مثيراً للشفقة حتى بالمقاييس الأفريقية؛ كما كان مكان الإقامة ليس نظيفا بسبب العدد الكبير الذي يتشارك المكان. ومن بين المنظمات الكثيرة التي حاولت الوصل لها، استجابت منظمة واحدة فقط وعرضت المساعدة. قامت المنظمة بربطنا بمنظمة حقوقية إقليمية. وساعدتنا المنظمتان معاً في دفع الإيجار لغرفة إضافية وقدما لنا مؤن تكفينا لعدة أسابيع.
أصبحت القائد غير الرسمي لـ17 شخص. كان ذلك في يوليو، وكان الأوضاع صعبة جدا في قطر، بينما تمر كينيا بحالة اضطراب. وكنا نعاني، فكل هذا حدث في فترة شهرين، لكن بالنسبة لنا هي فترة طويلة ومثقلة بكثير من الضغط النفسي.
لم تقدم لنا السفارة الكينية أية مساعدة، وقالوا لنا بشكل قاطع أنهم لا يقدمون المساعدة للعودة للوطن. على أية حال، لم نكن نريد العودة إلى الوطن لأننا موجودون فعلاً في قطر، وجميعاً نريد وظائف. لكن لم يكن لدينا أي خيار سوى العودة. وفي هذه الأثناء كان بعض أفراد المجموعة ينفسون عن إحباطهم بالنزاع فيما بينهم والتدخين والشرب. وقد يخرج الاقتتال أحيانا عن السيطرة. كنت أهرب بنفسي من كل ذلك إلى وسائل التواصل الاجتماعي لإلهاء نفسي، كانت العزلة الخيار الأفضل بالنسبة لي.
لم تعجبني فكرة العودة للوطن خالي الوفاض، لكن الانتظار قد نال مني أيضا. توليت القيام بدور القائد، فكنت أنسق توزيع المواد الغذائية، وأدفع الإيجار، أهتم بمن يمرض، أهدئ النزاعات، أوزع الأدوار والمهام، أترجم، أقدم النصح والمشورة، ولا أنسى تقديم التعاليم الإسلامية الأساسية لاثنين اعتنقا الإسلام في المطار. أصبحت محبوباً ومكروهاً بالقدر ذاته.
كنت على استعداد للبقاء والسعي حتى النهاية؛ كنت أريد أن أقاضي الشركة وشركائها المتورطين في الاتجار، وكنت أرغب في متابعة القضية. كنت أريد أن تتم محاسبة المسئول، لكن السعي للعدالة في قطر، ليس سهلا. إذ اتصلت بالرقم 999 لتقديم شكوى غير طارئة، وذهبت إلى مركز الشرطة مرتين، كما ذهبت مرة واحدة إلى إدارة التحقيقات الجنائية، وأخيراً توجهت إلى أحد ضباط الفزعة (إنفاذ القانون) في الشارع. شرحت له أنني أريد تقديم بلاغ عن جريمة، لكنه لم يكن يريد أن تكون له علاقة بشكوانا. عندها فقط استسلمت.
لقد جئت، ورأيت، وفشلت.
في 2 أغسطس، كنا على متن الطائرة في رحلة العودة التي دفعت تكاليفها المنظمة التي قدمت لي المساعدة. احتسيت آخر شاي كرك، ثم تحممت للمرة الأخيرة وانطلقت إلى المطار. عدت مفلساً ومنكسراً. لا أظن أنني أريد الذهاب الى الخليج مرة أخرى. في عمر 32 عاماً لم أعد يافعاً كما كنت دائماً. كنت بحاجة لمن يواسيني. بقيت لمدة يومين في دار ضيافة في نيروبي لأفكر ملياً في كيفية سداد الديون التي على عاتقي للآخرين. سافرت إلى غرب كينيا لزيارة أفراد عائلتي الممتدة... وجدت نباتات الكركديه التي زرعتها قد نمت، كما كبرت قطتي أيضاً. لا أريد أن أعود أبداً. يجب عليّ أن أصنع لي حياة هنا في كينيا برغم كل التحديات.