يشكّل عاملو الإنشاءات في دول مجلس التعاون الخليجي نسبة مئوية هامة من القوى العاملة المهاجرة في الخليج العربي (الجدول الإحصائي). وعلى الرغم من أن سهام انتقادات المجتمع الدولي تم تسليطها على قطر بشكل لافت في السنوات الأخيرة، إلا أن الواقع هو أنّ عمال الإنشاءات في دول الخليج كلها معرضون للاستغلال. ففي هذا القطاع الذي تتذبذب فيه تكاليف المشاريع بحسب التقلبات الاقتصادية، تصبح رواتب العاملين وصحتهم أول ضحايا المشاريع المتعثرة.
تعزى تقلبات هذا القطاع في جزءٍ منها إلى سوء التخطيط للمشاريع وفي الجزء الآخر إلى لا مبالاة الأنظمة التي تجرّد العاملين من إنسانيتهم من المراحل الأولى لعملية الهجرة.
نتناول فيما يلي استعراضًا لأكثر المشكلات انتشارًا في هذا القطاع، والتي تفاقمها أنظمة الهجرة السائدة في المنطقة. ويمكن الاطلاع على ذلك في مخططنا التفاعلي الخاص بنظام الكفالة.
المديونية
لا يخفى على أحد أن العاملين المهاجرين يدفعون رسوم توظيف هائلة ليتمكنوا من الحصول على "الفيزا"، على الرغم من أن القوانين في الخليج العربي كلّها تنصّ صراحةً على أن صاحب العمل ملزم بسداد كل الرسوم. بيد أن هذا التشريع لا يخضع لرقابة صارمة من جهة ولا يُجرّم المخالفين عند كشفه من جهة أخرى. ولم تقم سوى شركات معدودة فقط بالتحقيق في ممارسات ورسوم التوظيف غير القانونية، ونزر قليل من هذه الشركات قام فعلا باسترداد هذه الرسوم من السماسرة ومقاولي الباطن وأعادها إلى العمال.
تناول ديفيد سيغال، وهو شريك في السياسات بمركز ستيرن للأعمال التابع لجامعة نيويورك، هذا الشأن من خلال دراسةٍ مستفيضة. - يفتح في علامة تبويب جديدة
ففي معرض حديثٍ أدلى به سيغال في وقتٍ سابقٍ من هذا العام لمركز الدراسات الدولية والإقليمية بجامعة جورج تاون في قطر، - يفتح في علامة تبويب جديدةقال: "المسألة هنا تكمن في أن التوظيف ليس مجانيًا؛ فالعثور على عمّال، واختبار مهاراتهم وتخليص تأشيراتهم وعقد مقابلاتٍ معهم للتحقق من أنّهم مؤهلون كلها أمور مكلفة".
ويذكر بأن العملاء في كافة مراحل سلسلة التوريد لا يدفعون إلى مورّديهم من شركات المقاولات مبلغا مقابل هذه الخدمات.
ويضيف: "يبدو أن كل لاعبٍ في هذه السلسلة يستفيد من مورّده، ويفضي ذلك إلى ضغط يتسبب في تخفيض الأجور من جهة وزيادة تكاليف الهجرة من جهة أخرى، وفي النهاية يلقى هذا العبء كاملا على كاهل العمال المهاجرين".
وأشار سيغال إلى ما دعاه "سلسلة سدادٍ مقلوبة" تضع العملاء (كالحكومة أو المشروعات التنموية التي ترعاها الحكومة أو شركات القطاع الخاص) في قمة سلسلة التوريد وتضع العاملين محدودي الدخل في قاعدتها. وبينهما توجد طبقات من أصحاب العمل ووكالات التوظيف في البلدان المرسِلة في جنوب آسيا و"الوكلاء الفرعيين" المحليين. وبحسب سيغال، فإن "العملاء لا يسددون في الحقيقة كلفة ما يقدّم لهم الموردون من خدمات. وهذا يقلب السلسلة برمّتها رأسًا على عقب، بحيث يقع على عاتق العامل المهاجر في نهاية السلسلة مسؤولية سداد فاتورة جميع تكاليف الهجرة، إضافةً إلى تكاليف أخرى".
وبالنظر إلى أن الكمّ الهائل من العاملين الذين يأتون إلى دول مجلس التعاون الخليجي مثقلٌ بالديون في الأصل، يضطرّ أولئك إلى العمل في بيئات استغلالية أو محفوفة بالمخاطر للتمكن من سداد ديونهم.
وفي مهزلة وقعت مؤخرًا في المملكة العربية السعودية، أجبر عاملون في شركاتٍ كبرى على العودة إلى بلادهم دون أن تسدّد أجورهم منذ أشهر، أما من تجرّأ على الاحتجاج، فقد كان الاعتقال مصيره.

