تمييز واضح
شعر كثير من العمال المقيمين في المعسكر أنهم تُركوا لمصيرهم. ومع أن إدارة رأس لفان والحكومة القطرية أصرّتا على أن الوضع آمناً، إلا أننا شعرنا أننا أهدافاً سهلة ومكشوفة. فقد غادر الأوروبيون والأمريكان وموظفون من جنسيات أخرى إلى فنادق في الدوحة وسكنوا فيها لمدة 10 أيام ريثما تتضح الأمور.
في تلك الليلة، غادرت الإدارة العليا لبعض الشركات رأس لفان وبقينا نحن في مرمى النيران. من أصل 1200 موظف نشط في المعسكر تبقى الآن20 موظف فقط.
في هذه الأثناء، أُجبرنا على أخذ إجازة غير مدفوعة لمدة 5 أيام. ومع حلول إجازة العيد، اعتمد كثير من العمال على العمل من أجل تحقيق دخل إضافي، لكن بسبب توقف العمل تم احتساب الأيام كغياب لعدم تسجيل الحضور. فحتى في أوقات الصراعات، يبدو أن الجواز هو ما يحدد سلامتك وكسب عيشك.
وفي المعسكر المجاور، أُجبر 11 من طاقم حراسة الأمن من الجنسية الكينية والأوغندية من بينهم امرأتين، على البقاء برغم مغادرة بقية الموظفين رأس لفان إلى فنادق في الدوحة. تُركوا لوحدهم في المعسكر؛ إذ كنا نغادرهم الساعة 1 بعد الظهر ونعود لمعسكر بيونير حيث نقيم. كنا لانزال نقدم الطعام لـ 20 موظفاً بما فيهم طاقم حراسة الأمن مما منحنا وقتاً للتقارب. كان الضغط النفسي الناتج عن مشاهدة الصواريخ، كبيراً. كانت المرة الأولى التي نرى فيها رؤوسا حربية تضرب قطر. كثيرون منا يشاهدون الصواريخ للمرة الأولى في حياتهم. عُرفت قطر بأنها واحدة من أكثر الدول أماناً في العالم. لكن بعد ما مر علينا، أشعر أن قطر لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه.
بيروقراطية نظام الكفالة
قد يكون نظام الكفالة إشكالياً في الأوضاع العادية، لكن في وقت الأزمات يصبح أكثر سوءً. ففي خلال حصار قطر في 2017، خشي العمال أن يخسروا مدخراتهم المودعة في مصارف قطر. وخلال جائحة كوفيد 19 تُرك العمال في أماكن إقامتهم بدون رواتب أو أجبروا على أخذ إجازات غير مدفوعة. والآن في حرب 2026، ظهرت طبقة جديدة من البيروقراطية تضفي مزيدا من الصعوبات لتواجهها العمالة المهاجرة. فقد تم حظر الطيران، وتورط الموظفين الجدد، والعاملين في إجازات، وأولئك الذي انتهت عقودهم، فلم يعد بمقدورهم السفر. وهنا يثار التساؤل: ما ذا لو استمر تصعيد هذه التوترات، أو أصبحت مغادرة الطوارئ وشيكة، هل سيتكفل نظام الكفالة بتسهيل عملية المغادرة؟ وهل ستتحمل الشركات الخاصة كلفة إعادة العمال إلى أوطانهم، أم ستتحمل حكومات دول الأصل هذه الكلفة؟ شعرت أن الوضع كان مضطرباً وأن الأمور أصبحت في منطقة رمادية، ولا يبدو أن بإمكان أي شخص أن يغادر فوراً بسبب العوائق البيروقراطية. ومن حسن الحظ أن لم تسجل أية خسائر بشرية منذ بدء الحرب في قطر، لكن سجلت وفيات في كل من البحرين والسعودية والإمارات.
خلال شهر مارس أيضاً، انحرف صاروخ عن مساره فوق غرفتي مباشرة. التقطت بهاتفي صورة لعمود الدخان الذي نجم عنه. كنت حذرا من النشر على حسابات التواصل الاجتماعي. فقطر لا تريد إظهار أي أضرار لأسباب أمنية، ولا يفترض أن يوثّق المقيمون من الأجانب ما يحدث. أعرف أن الحكومة تبذل قصارى جهدها لحمايتنا، لكن مشهد الصواريخ الطائرة هز ثقتنا، فأي شيء ممكن الحدوث في أي وقت. قررت أن حياتي أثمن من 350 دولار قيمة راتبي الشهري. كان الأمر سهلا بالنسبة لي أن أحزم أمتعتي وأغادر لأنني لم أدفع رسوماً عند توظيفي. لكن كان عليّ تحمل قيمة تذكرة سفري للعودة إلى بلادي. ترددت شركتي في السماح لي بالمغادرة لكن حصلت بعد ذلك على الموافقة.
مر شهر واحد منذ بدء الصراع، وكان العاملين في قطاع الضيافة في دول الخليج هم أول من عانى من تبعات الحرب – إلغاء الحجوزات، وإلغاء الرحلات، والتوجيهات الإلزامية بالبقاء في المنزل، جميعها أجبرت قطاع الخدمات في دول الخليج على عمل الفارق، من خفض الرواتب إلى تقليص الشركات.
وعلى الطرف الثاني من النزاع، في إيران، لايزال أحد أقربائي مفقوداً منذ بداية الحرب. سمعت أنه بخير، لكنه لم يعد ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي. كنا قد غادرنا كينيا معاً. ذهب قريبي من قرية زراعية صغيرة في غرب كينيا لمتابعة تعليمه الديني في إيران، فيما جئت أنا للعمل كنادل في الدوحة. أتمنى أن يعود سالماً إلى الوطن إن ساءت الأمور أكثر.
أدخلت الشركة التي أعمل لديها سياسات جديدة: منع الموظفين من الإجازات والمغادرة من الآن وحتى سبتمبر، تجنبا للاستقالات الجماعية. أستطيع أن أرى الإحباط يخيّم على قسم الموارد البشرية المكلفون باحتواء الأضرار، بقرار من الإدارة التنفيذية لكن بدون معلومات كافية، مما جعلهم يضعون سياسات ارتجالية. هناك عمال لم يعودوا يشعرون بالأمان، وهناك عمال كان مقررا أن يغادروا قطر عند انتهاء عقودهم وكلاهما أجبروا على مزيد من الانتظار. ومن الممكن أن تسمح الشركة للعامل بشراء تذكرته، لكنها تتجنب ذلك تحسباً لحدوث أي طارئ يستدعي الإخلاء السريع هرباً من الحرب.
في نهاية المطاف، تمكنت من الحصول على تذكرة بتكلفة مضاعفة عن المعتاد. وتم إلغاء رحلتي أكثر من مرة، لكنني في النهاية غادرت في مطلع أبريل إلى كينيا. وفي 8 أبريل، أُعلن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بانتظار مزيد من المفاوضات.