تخطي إلى المحتوى
اللغات
Read in English

عالقون في رأس لفان

16 أبريل 2026

14 ةءارق ةقيقد

يشاركنا عامل في أحد معسكرات رأس لفان، تجربته خلال الهجمات الإيرانية على الموقع

National emergency alert in Arabic and English: the security threat level is elevated. Remain indoors, avoid going out, and stay away from windows and exposed areas for public safety.

في منتصف رمضان الموافق 28 فبراير 2026، وبينما كانت عمان تلعب دور الوسيط في مفاوضات جارية حينئذ، شن التحالف الأمريكي- الإسرائيلي هجوماً على إيران مدعيا أنه نُفّذ باستخدام القواعد الأمريكية المنتشرة في دول مجلس التعاون الخليجي. ومنذ ذلك الوقت تعرضت مواقع اقتصادية ومدنية في دول الخليج لهجمات واسعة من إيران. وفي الوقت ذاته، فتحت إسرائيل جبهة حرب إضافية في لبنان وتسببت في قتل المئات وتشريد الآلاف من اللبنانيين. وفي هذا الخضم، علق العمال المهاجرون. فيما ذوي الدخول المتدنية منهم، تتفاقم هشاشة أوضاعهم.
قامت MRRORS بالمطلوب للتحقق من الآراء الشخصية والتقارير المنشورة. لا يزال الحصول على ردود وتعليقات الشركات صعباً؛ وسيتم إضافتها فور الحصول عليها.

 

الهدوء الذي يسبق العاصفة

كان يوم سبت عادي وصادف اليوم الأخير من الشهر. وعلى غير المعتاد في هذا الوقت من العام، كان صباحاً صافياً خلت فيه السماء من غيوم الشتاء القاتمة، وكل شيء كان يسير بشكل طبيعي كأي يوم إجازة بالنسبة لي: تناول الطعام، أخذ قسط من الراحة، والتنظيف ومشاهدة الأفلام.

كنت قد انتهيت للتو من غسل ملابسي، واستلقيت أتصفح حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي عندما سمعت صوتاً مدوياً. ظننت أن هناك مشاجرة في الخارج، ودفعني الفضول للخروج من غرفتي لاستطلاع الأمر. كان الأمر غريباً بعض الشيء، فالجميع يحدقون في السماء الخالية إلا من عمود ممتد من الدخان. في بادئ الأمر اعتقدت أن هناك ألعاباً نارية. لكن رمضان كان قد بدأ ولم يخطر في بالي أنه احتفال. ولم تسبق لي معرفة أن هذا الدخان ينتج عن الصواريخ عند يتم اعتراضها. لم يكن لدينا أدنى فكرة عما كان يجري حينها، وما سبب الهجمة الصاروخية. 

غرفتي تضم ثمانية أشخاص – أربعة من غانا وأربعة من كينيا وأنا من ضمنهم. دار بيننا جدل حول ما يجري. العمال المهاجرون نادراً ما يكونون على علم بما يجري في قطر؛ نحن نتابع من الأخبار فقط تلك التي تمسنا بشكل مباشر، كما أنه لم يكن هناك مجريات خارج المألوف في قطر، لكن ذلك السبت شهد واحدة من أكثر اللحظات رعباً في تاريخ قطر. قضينا فترة ما بعد الظهر في تبادل المعلومات القليلة التي تمكنا من الحصول عليها من مصادر الأخبار داخل وخارج قطر. كان أكبرنا سناً قد عمل في السابق كرئيس طهاة في أحد مناطق الحروب، فكان لديه خبرة حاول أن يشرح الوضع، لنا، من خلالها.

تبعد رأس لفان نحو 90 كيلومتر عن الدوحة، وهي موقع لإنتاج الغاز البترولي المسال في أقصى شمال قطر، وتعرف أيضا بمشروع حقل الشمال الشرقي. يضم المصنع أكثر 50٫000 عامل من مختلف الجنسيات موزعين على أكثر من 10 شركات في مختلف التخصصات، ويقيمون كمجموعات في معسكرات سكنية عمالية منفصلة؛ بعض العمال يعملون ويقيمون في المعسكر نفسه. هذا المكان يعتبر من أهم الأماكن في قطر. في ذلك الوقت كنت في منتصف فترة العقد مع شركة تيسير للخدمات، وكانت هذه تجربتي الأولى في هذا القطاع، وفي هذه المنطقة وفي هذا المعسكر. كنت متحمساً جداً، فكل شيء كان جديداً ومثيراً وأخيراً أصبح بوسعي كسب المال من عملي. جئت إلى هنا كبديل لموظف آخر كان سيغادر في إجازة.

يدار معسكرنا الذي يسمى مسكر بايونير العمالي، من قبل شركة تيسير للخدمات. ووجدت أن العمل في مصنع للغاز يختلف عن العمل في مواقع أخرى؛ فهناك احتياطات أمنية مشددة، وتدريبات صارمة على السلامة بالإضافة إلى إجراء تمرينات متواصلة على التعامل مع الطوارئ. كنا نشعر أننا دائماً في حالة تأهب. أشير هنا إلى أن معسكر بايونير يضم 6000 عامل مهاجر يعملون في مختلف الوظائف، لكن ليس جميعهم يعملون لدى شركة تيسير؛ فالبعض يعمل لدى مقاولين بالباطن في شركات إنشاءات ومصانع. كانت الإجراءات الأمنية مشددة، وعبور البوابات يتطلب تصاريح متعددة، ويتوجب على المقيمين في الموقع، التسجيل المسبق بيوم واحد للخروج إلى مدينة الخور القريبة للتسوق. أُطلق على رأس لفان «السجن» لأنه يبدو كذلك. قبل اندلاع الأحداث، كنت أعمل في قاعة الطعام الفلبيني والغربي. ولحداثة انضمامي لهذا العمل، كنت حينها أتعلم عن قواعد سلامة الطعام وإدارة قاعات الطعام وكيفية إعداد الأطباق الفلبينية والغربية.

كان إحساساي رائعاً وأنا أقدم خدماتي لقوة متعددة الجنسيات في معسكر آخر داخل مجمع رأس لفان. فعملي كان بعيداً عن الشمس الحارقة مع ضمان توافر الطعام مجاناً. ومكان عملي قريباً فلا أحتاج للتنقل لمسافات طويلة واستخدام المواصلات. كانت الحياة في رأس لفان رتيبة وخالية من الأنشطة والمناسبات؛ فبعد العمل لمدة 12 ساعة يومياً، نستقل الحافلة لمدة 7 دقائق إلى مكان اقامتنا. لا يحدث شيء خارج المعتاد هنا. تبدأ مناوبتي الساعة 2 فجراً وتنتهي الساعة 1 بعد الظهر، وأقوم خلالها بالإعداد للوجبات وغسل وتجفيف الصحون، والأواني الأخرى وأدوات المائدة، وكذلك تقديم الإفطار وتجهيز الغداء ثم تنظيف قاعات الطعام. عملي كان سريع الإيقاع ويتطلب مني الانتباه واللطافة، ولكنه مرهقاً بساعاته غير المألوفة. عادة ما أتناول غداءً ثقيلا حتى أتمكن من النوم بعد الظهر وحتى الساعة 1 فجراً.

في المعسكر، نعتبر يوم السبت فسحتنا الوحيدة للراحة ومتابعة حساباتنا في وسائل التواصل الاجتماعي والتحدث مع ذوينا في بلداننا. لم نكن نعلم أننا على موعد مع ما يربك هذا الروتين إلى أجل غير معروف. ففي 28 فبراير بعد دقائق من انتصاف النهار، بدأت الحرب. وقبل لحظات من هجوم الصواريخ، تلقينا بالهاتف تنبيها بصوت مرتفع. نحن معتادون على التنبيهات حتى في معسكراتنا، فعندما يندلع حريق أو يتسرب الغاز في رأس لفان، يُطلب منا «الاحتماء في مكان معين»، لكن هذه  الجملة أصبحت دارجة الاستخدام جميع أنحاء البلاد مع اندلاع الحرب.

 في بداية الحرب كان الوضع مشوشاً، وكان التواصل معنا محدوداً، ولم يهتم أحد بإعلام وتوجيه العمال المهاجرين. فشركتنا فوجئت بالأحداث ولم يكن لديها أي تفسير تقدمه لنا عما حدث. ومن معسكرنا كان بإمكاننا مشاهدة الصواريخ المتجهة نحونا، وكذلك شاهدنا اعتراضات الصواريخ تضيء السماء، ومع ذلك لم توفر لنا أي معلومات. أشعر أن إعلام من لا يتحدثون الإنجليزية كان صعباً لأنهم كانوا يعتمدون على صحف بلدانهم لمتابعة مجريات الأمور. فأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرنا الرئيسي للمعلومات. شاهدنا صوراً مخيفة لصواريخ ضربت معسكر الأرجنتين العمالي بالوكرة بينما فر العمال خوفاً على سلامتهم. كانت الدوحة وقتها تتعرض أيضا لهجمات، وكان الشعور بأننا البلاد بأسرها تحت الحصار.   

في 3 مارس، دعا رئيس الموارد البشرية في شركة تيسير للخدمات لعقد اجتماع بعد النوبة الصباحية. وأخبرنا أننا قد تعرضنا لهجمات إيرانية، وأخبرنا أيضا أننا كأشخاص لسنا بمستهدفين لكن منشأة انتاج الغاز هي المستهدفة وأنهم يتوقعون أن يتعرض الموقع لهجوم في أية لحظة. وقد يقع خلال يوم أو يومين. طلبوا منا ألا ترتبك ونحافظ على هدوئنا وأن نتواصل مع ذوينا في بلداننا ونخبرهم أننا بخير ولكننا نتوقع هجوماً صاروخياً. وتلا ذلك عدد من الاجتماعات على مستويات مختلفة لكنها كانت متناقضة. ففي حين قيل للندل أن يتحلوا بالصبر ويبلغون ذويهم في كينيا بالحقيقة، طُلب من رؤساء الطهاة ألا يقدموا أية معلومات لذويهم. كانت اجتماعاتنا في السابق تدور حول موضوعات اعتيادية مثل سلامة الطعام، وإعداده، والنظافة، لكن في ذلك اليوم تحدث الينا رئيس الموارد البشرية عن سلامة أرواحنا. وبرغم أنه كان يتحدث الينا بثقة، إلا أن نبرة الخوف كانت واضحة في حديثه. وقال: «بمجرد انطلاق صفارة الطوارئ، عليكم بالبحث عن مكان آمن والاهتمام بسلامتكم». لم يكن كلامه مقنعاً لأنا نعرف أننا في مرمى القنابل والصواريخ، لكننا مع ذلك تمسكنا بما قاله. وكان هذا أول تواصل تجريه الشركة معنا منذ بدء الحرب. لم يكن هناك، أثناء المقابلة، أية إشارة للإخلاء بشكل صريح أو ضمني. لكننا كنا نعلم أن الإيرانيين قد أصدروا أوامر بإخلاء جميع مواقع الطاقة بما فيها رأس لفان. - يفتح في علامة تبويب جديدة 

 

" في بداية الحرب كان الوضع مشوشاً، وكان التواصل معنا محدوداً، ولم يهتم أحد بإعلام وتوجيه العمال المهاجرين. فشركتنا فوجئت بالأحداث ولم يكن لديها أي تفسير تقدمه لنا عما حدث. ومن معسكرنا كان بإمكاننا مشاهدة الصواريخ المتجهة نحونا، وكذلك شاهدنا اعتراضات الصواريخ تضيء السماء، ومع ذلك لم توفر لنا أي معلومات."

كان أهلي في كينيا قلقين على وضعي. وكان لدينا ثقة في الحكومة القطرية، خصوصا مع الإنذارات التي تصلنا على هواتفنا قبل كل هجمة، كنا مطمئنين على سلامتنا، حتى حلّت الساعة 1 فجر يوم 4 مارس، عندما أصاب صاروخ أحد مواقع رأس لفان الذي يبعد حوالي كيلومترين عن مكان إقامتنا. كنت نائماً واستيقظت على دوي هائل. وكان ذلك أقرب هجوم منذ اندلاع الحرب. بدأ الخوف يتسلل إلى قلوبنا، فالأمور بدأت تأخذ منحى أكثر خطورة، ولكن لحسن الحظ لم تسجل أية خسائر بشرية. 

بعد الانفجار كنا في طريقنا إلى العمل لكن أُجبرنا على العودة إلى السكن لمدة ساعة. فحارس الأمن لم يسمح لنا بالذهاب إلى العمل حتى تتضح الأمور. كان الخوف بادياً على الحارس؛ فكثير منا يرون الصواريخ للمرة الأولى في حياتهم. 

تركت الحادثة زملائي في حالة من الصدمة. فربما يكون الصاروخ قد أخطأ هدفه هذه المرة لكنه أصاب قلوبنا بالهلع. أسرّت لي حارستا أمن أفريقيتان بعزمهما على الاستقالة ما أن استقرار الأمور وتصبح العودة إلى ديارهما آمنة. شعرت بالأسى من أجلهما، كونهما امرأتين تعملان في محيط يهيمن عليه الرجال. منذ ذلك اليوم سادت أجواء ثقيلة من القلق والتوتر انعكست في عيون الجميع. شاهدت رجالاً يتظاهرون بأن الوضع على ما يرام، لكننا جميعاً كنا في حالة من الخوف. أيّ صوت مفاجئ كان كفيلاً بإرباكنا. ذات مرة اصطدمت بعربة صحون بها بقايا طعام بالجدار: فساد الصمت والارتباك؛ شاهدت، حينها، عاملاً فلبينياً كبيراً في السن يمسك بصدره. إلى هذا الحد كان الرعب ينال منا جميعاً. بحلول ذلك الوقت، توقف الرحلات الجوية. فقد كنت أقدم الموز لمن أقوم على خدمتهم، كل صباح، لكن شحنات الموز المستوردة من الإكوادور توقفت. 

مع مرور الأيام، بدأ كبار الموظفين – التكنوقراطيين والعمال من الجنسيات اليابانية والأوروبية- ينسلّون بهدوء من بيننا ويغادرون. غادروا بناءً على توجيهات سفاراتهم تاركين زملائهم يواجهون مصيرهم وحدهم. في أيام مغادرتهم، كان يتناولون إفطارهم كالعادة ثم يعودون لغرفهم حتى دون أن يودعونا. بعد ذلك يأخذون حقائبهم ويتجهون للإقامة في فنادق أو إلى الحدود البرية مع السعودية. كنت أقدم لهم وجبتين يومياً ومع ذلك لم يجدوا الوقت ليقولوا لي «وداعاً» قبل رحيلهم. 

في ذلك الوقت، بدت امتيازات الجوازات تظهر بوضوح، فعندما غادر الأمريكان والفرنسيين، تُركنا ومعنا الأزباكستانيون والماليزيون والإندونيسيون. بعد مرور أسبوعين على الأزمة كنا لازلنا منشغلين بتقديم وجبة سحور رمضان. اعتدنا على إنذارات الطوارئ العشوائية والمفاجئة في هواتفنا، لكن مع الوقت أصابنا التبلد عند سماعها. 

شاهدنا في هذه الأثناء حطاماً يتساقط من المسيّرات والصواريخ حتى أصبح ذلك هو واقعنا الجديد. أصبحنا نميّز بين المسيّرات والصواريخ الباليستية ومصدات الصواريخ، وكنا نتجادل وتدور أحاديثنا حول السياسة العالمية بعد يوم العمل الطويل في المطبخ. 

 

في 18 مارس، عند الساعة 8 مساءً. شهدت رأس لفان الهجوم الأول من هجومين ليليين كبيرين على مصنع الغاز. وهذه المرة استهدفت إيران المنشأة بشكل مباشر متسببة في أضرار كبيرة لأحد أبراج حرق الغاز في المصنع. وأشير هنا إلى أن حقول الغاز ضخمة جداً، هياكلها المعدنية تقارب ارتفاع 10 – 20 طابقاً من القضبان المعدنية وتمتد على مساحة أوسع من حقل كرة القدم لتشكل مجتمعة مدينة متكاملة. وبعد تعرضها للضربات المباشرة، شب حريق في المنشأة ورأينا جميعاً الأضرار التي أصابتها. التزمنا الصمت في غرفنا، ونتغلب على في خوفنا بالاستماع للموسيقى والترفيه. كانت هواتفنا ترنّ بإنذارات الطوارئ وكنا نشاهد أحياناً مسيّرات في السماء. بعد الانفجار، أُمرنا من خلال النظام العام للإعلانات في المعسكر بحزم حقائبنا، وجوازات سفرنا، ومستلزماتنا الضرورية في حقيبة صغيرة والاستعداد لمغادرة رأس لفان. 

وتأجج الشعور بالفوضى بعد أن تلقى زملاء لنا ممن كانوا على رأس العمل مزيداً من التعليمات الشفهية من قبل مشرفيهم لحزم أمتعتهم والاستعداد للإخلاء إلى الدوحة. ولم يُعطَ الآخرين المقيمين في المعسكر التوجيهات ذاتها. في الغرفة التي كنت أقيم فيها، كان أربعة منا يحزمون متعلقاتهم بعجالة، بينما يغطّ الأربعة الآخرون نومهم. وبعد أن أصبح البعض منا جاهزين للمغادرة، جاء في الاعلان العام الصوتي أن النداء السابق لم يكن موجه لنا. وبرغم أن الشركة لديها إجراءات للسلامة خلال تسرب الغاز واندلاع النيران، إلا أنه من الواضح أن تلك الإجراءات اختُبرت حتى أقصاها. كانت القرارات بطيـئة ومربكة. لم تكن الإدارة على جاهزية تامة لوضع الحرب. 

علمنا فيما بعد أن إيران أصدرت أوامر بإخلاء الموقع قبل الهجوم، وكانت الأوامر الموجهة لحزم الأمتعة والاستعداد للمغادرة، موجهة للموظفين من ذوي الرتب الأكثر أهمية في المعسكر المجاور – أولئك الذين كنت أحييهم بحرارة كل صباح، مما جعلني أشعر بالخيانة. 

كنا نشعر بالارتباك وعدم الأمان عندما ذهبنا للنوم في ذلك المساء. وفي الثانية فجراً يوم 19 مارس، جاءنا المشرف إلى غرفتنا محاولا ً إقناعنا للذهاب للعمل. وافق ثلاثة منا فقط على مضض. لكنني قررت ألا أذهب؛ لم أكن أشهر بالأمان. ذهبت إلى دورة المياه في الخارج قبل أن أتوجه لشرب شاي الصباح. لحظتها رفعت رأسي إلى السماء لأشاهد صاروخاً سريعاً لامعاً يشق ظلام الليل موجهاً إلى منطقة معسكر قريب. كان دويّ الانفجار هو الأعلى مما سمعته في حياتي كلها، وكانت هناك نيراناً مشتعلة في مشهد مخيف وكأنه يوم القيامة. في لحظة شعرت أن الزمن قد توقف. فقد سقطت ثلاثة صواريخ محدثة دويا هائلاً هز الأرض من شدته. سارعت إلى تصوير النيران المشتعلة والمتصاعدة على هيئة فطر. كان المشهد درامياً يشبه الأفلام. 

 

"بدت امتيازات الجوازات تظهر بوضوح، فعندما غادر الأمريكان والفرنسيين، تُركنا ومعنا الأزباكستانيون والماليزيون والإندونيسيون [...] فحتى في أوقات الصراعات، يبدو أن الجواز هو ما يحدد سلامتك وكسب عيشك."

تمييز واضح

شعر كثير من العمال المقيمين في المعسكر أنهم تُركوا لمصيرهم. ومع أن إدارة رأس لفان والحكومة القطرية أصرّتا على أن الوضع آمناً، إلا أننا شعرنا أننا أهدافاً سهلة ومكشوفة. فقد غادر الأوروبيون والأمريكان وموظفون من جنسيات أخرى إلى فنادق في الدوحة وسكنوا فيها لمدة 10 أيام ريثما تتضح الأمور. 

في تلك الليلة، غادرت الإدارة العليا لبعض الشركات رأس لفان وبقينا نحن في مرمى النيران. من أصل 1200 موظف نشط في المعسكر تبقى الآن20 موظف فقط. 

في هذه الأثناء، أُجبرنا على أخذ إجازة غير مدفوعة لمدة 5 أيام. ومع حلول إجازة العيد، اعتمد كثير من العمال على العمل من أجل تحقيق دخل إضافي، لكن بسبب توقف العمل تم احتساب الأيام كغياب لعدم تسجيل الحضور. فحتى في أوقات الصراعات، يبدو أن الجواز هو ما يحدد سلامتك وكسب عيشك. 

وفي المعسكر المجاور، أُجبر 11 من طاقم حراسة الأمن من الجنسية الكينية والأوغندية من بينهم امرأتين، على البقاء برغم مغادرة بقية الموظفين رأس لفان إلى فنادق في الدوحة. تُركوا لوحدهم في المعسكر؛ إذ كنا نغادرهم الساعة 1 بعد الظهر ونعود لمعسكر بيونير حيث نقيم. كنا لانزال نقدم الطعام لـ 20 موظفاً بما فيهم طاقم حراسة الأمن مما منحنا وقتاً للتقارب. كان الضغط النفسي الناتج عن مشاهدة الصواريخ، كبيراً. كانت المرة الأولى التي نرى فيها رؤوسا حربية تضرب قطر. كثيرون منا يشاهدون الصواريخ للمرة الأولى في حياتهم. عُرفت قطر بأنها واحدة من أكثر الدول أماناً في العالم. لكن بعد ما مر علينا، أشعر أن قطر لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه. 

بيروقراطية نظام الكفالة

قد يكون نظام الكفالة إشكالياً في الأوضاع العادية، لكن في وقت الأزمات يصبح أكثر سوءً. ففي خلال حصار قطر في 2017، خشي العمال أن يخسروا مدخراتهم المودعة في مصارف قطر. وخلال جائحة كوفيد 19 تُرك العمال في أماكن إقامتهم بدون رواتب أو أجبروا على أخذ إجازات غير مدفوعة. والآن في حرب 2026، ظهرت طبقة جديدة من البيروقراطية تضفي مزيدا من الصعوبات لتواجهها العمالة المهاجرة. فقد تم حظر الطيران، وتورط الموظفين الجدد، والعاملين في إجازات، وأولئك الذي انتهت عقودهم، فلم يعد بمقدورهم السفر. وهنا يثار التساؤل: ما ذا لو استمر تصعيد هذه التوترات، أو أصبحت مغادرة الطوارئ وشيكة، هل سيتكفل نظام الكفالة بتسهيل عملية المغادرة؟ وهل ستتحمل الشركات الخاصة كلفة إعادة العمال إلى أوطانهم، أم ستتحمل حكومات دول الأصل هذه الكلفة؟  شعرت أن الوضع كان مضطرباً وأن الأمور أصبحت في منطقة رمادية، ولا يبدو أن بإمكان أي شخص أن يغادر فوراً بسبب العوائق البيروقراطية. ومن حسن الحظ أن لم تسجل أية خسائر بشرية منذ بدء الحرب في قطر، لكن سجلت وفيات في كل من البحرين والسعودية والإمارات. 

خلال شهر مارس أيضاً، انحرف صاروخ عن مساره فوق غرفتي مباشرة. التقطت بهاتفي صورة لعمود الدخان الذي نجم عنه. كنت حذرا من النشر على حسابات التواصل الاجتماعي. فقطر لا تريد إظهار أي أضرار لأسباب أمنية، ولا يفترض أن يوثّق المقيمون من الأجانب ما يحدث. أعرف أن الحكومة تبذل قصارى جهدها لحمايتنا، لكن مشهد الصواريخ الطائرة هز ثقتنا، فأي شيء ممكن الحدوث في أي وقت. قررت أن حياتي أثمن من 350 دولار قيمة راتبي الشهري. كان الأمر سهلا بالنسبة لي أن أحزم أمتعتي وأغادر لأنني لم أدفع رسوماً عند توظيفي. لكن كان عليّ تحمل قيمة تذكرة سفري للعودة إلى بلادي. ترددت شركتي في السماح لي بالمغادرة لكن حصلت بعد ذلك على الموافقة. 

مر شهر واحد منذ بدء الصراع، وكان العاملين في قطاع الضيافة في دول الخليج هم أول من عانى من تبعات الحرب – إلغاء الحجوزات، وإلغاء الرحلات، والتوجيهات الإلزامية بالبقاء في المنزل، جميعها أجبرت قطاع الخدمات في دول الخليج على عمل الفارق، من خفض الرواتب إلى تقليص الشركات. 

وعلى الطرف الثاني من النزاع، في إيران، لايزال أحد أقربائي مفقوداً منذ بداية الحرب. سمعت أنه بخير، لكنه لم يعد ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي. كنا قد غادرنا كينيا معاً. ذهب قريبي من قرية زراعية صغيرة في غرب كينيا لمتابعة تعليمه الديني في إيران، فيما جئت أنا للعمل كنادل في الدوحة. أتمنى أن يعود سالماً إلى الوطن إن ساءت الأمور أكثر. 

أدخلت الشركة التي أعمل لديها سياسات جديدة: منع الموظفين من الإجازات والمغادرة من الآن وحتى سبتمبر، تجنبا للاستقالات الجماعية. أستطيع أن أرى الإحباط يخيّم على قسم الموارد البشرية المكلفون باحتواء الأضرار، بقرار من الإدارة التنفيذية لكن بدون معلومات كافية، مما جعلهم يضعون سياسات ارتجالية. هناك عمال لم يعودوا يشعرون بالأمان، وهناك عمال كان مقررا أن يغادروا قطر عند انتهاء عقودهم وكلاهما أجبروا على مزيد من الانتظار. ومن الممكن أن تسمح الشركة للعامل بشراء تذكرته، لكنها تتجنب ذلك تحسباً لحدوث أي طارئ يستدعي الإخلاء السريع هرباً من الحرب. 

في نهاية المطاف، تمكنت من الحصول على تذكرة بتكلفة مضاعفة عن المعتاد. وتم إلغاء رحلتي أكثر من مرة، لكنني في النهاية غادرت في مطلع أبريل إلى كينيا. وفي 8 أبريل، أُعلن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بانتظار مزيد من المفاوضات.

 

كان الكاتب يعمل لدى شركة تيسير للخدمات كأحد أفراد طاقم الخدمة. وقد تواصلت MRRORS مع الشركة للحصول على تعليق.

Have you had a similar experience?

Please reach out, we would love to hear from you relating to your experience on this topic.
Your anonymity is important to us and all personal information will remain private.

مُستهدفون في حرب الآخرين

22 أبريل 2026

يلاتلا لاقملا