تخطي إلى المحتوى
اللغات
Read in English

تفشي اتهامات بتجارة الأعضاء وانتزاعها قسراً من الضحايا في ظل غياب التشريح الموثوق في الخليج وأفريقيا

16 أبريل 2025

54 ةءارق ةقيقد

Kenyan migrants are returning from Saudi Arabia, both dead and living, with suspicious scars that may indicate organ harvesting. Under the Kafala system, migrant workers’ agency is greatly limited, and the control and consent over their bodies are poorly protected. The combination of these factors puts them at risk of various exploitative and sinister practices, including the illegal organ trade.

يعود المهاجرون الكينيون من السعودية، الأحياء منهم والأموات بندوب مثيرة للشكوك بتعرضهم لانتزاع أعضاء داخلية منهم. والمعروف أن حرية العمال المهاجرين محدودة في ظل نظام الكفالة، وكذلك سيطرتهم على زمام أمور ما يخصهم، مما يجعل أمن وسلامة أجسادهم عرضة للخطر. ويعرّض مزيج هذه العوامل معاً العمال إلى ممارسات استغلالية وخطيرة بما في ذلك تجارة الأعضاء غير القانونية 

يعود شباب كينيون وأفارقة آخرين ممن كانوا يتمتعون في السابق بصحة جيدة، إلى بلدانهم من دول الخليج بالأخص السعودية، في أكياس الموتى، جثامينهم تدل على تعرضهم ليس للاستغلال والإساءة فحسب، وإنما لما هو أكثر قساوة وشراً، وذلك بحسب ما تذكر أسر الضحايا، والناجين وكذلك الخبراء. ويبدو افتقار دول الخليج وأيضا الدول الأم لعمليات تشريح ما بعد الوفاة بشكل موثوق، وكأنه محاولة تواطؤ متعمدة لطمس اتهامات بانتزاع الأعضاء بشكل غير أخلاقي. فيما تظهر بعض الحالات بأن أصحابها كانوا ضحايا عمليات غير ناجحة للتبرع بالأعضاء، بينما أخرى تمت في حق أشخاص متوفين دماغياً بدون موافقة. 

وتكشف المقابلات والحالات في هذا التحقيق عن نمط مقلق من الممارسات المشبوهة أدت إلى الوفاة المفاجئة، أو أمراض غامضة أصيب بها مهاجرون كانوا أصحاء في السابق. وفي الحالات التي ربما وافق أصحابها على التبرع بأعضائهم، من المحتمل أن يكون الاختلال الكبير في ميزان القوة بين أصحاب العمل والعمال، والافتقار لإجادة اللغة المحلية قد أعاقا المعرفة التامة لما كان هؤلاء مقدمين عليه. 

الحالات الواردة في هذا التقرير تسلط الضوء على مؤشرات خطيرة - يفتح في علامة تبويب جديدة وهي: 

  • أشخاص يجدون أنفسهم في المستشفى بشكل غامض، ويتلقون علاجات غير مفهومة؛
  • مهاجرون يُجبرون على الموافقة على التبرع بأعضائهم لتسديد تكاليف تذاكر سفر عودتهم إلى أوطانهم؛ 
  • وقوع أسر المهاجرين تحت ضغوطات إعطاء الموافقة على التبرع بالأعضاء بعد الوفاة لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف إْعادة الجثامين إلى أوطانهم؛
  • الكفلاء المسجلون كأشخاص يمكن الاتصال بهم وقت الطوارئ في حالة سفر العمال بدون عائلاتهم – يمنحون الموافقة على إزالة الأعضاء من الجسم نيابة عنهم؛
  • عودة جثامين الشباب بعلامات تدل على التعذيب وندوب لعمليات جراحية أجريت لهم، وبرغم أن هذه الندوب تُنسب لعمليات التشريح التي أجريت بعد الوفاة، إلا أن طبيعة هذه الندوب وتكرارها يستدعي إجراء تحقيق جاد في الأمر.

وقال د. توماس مولر، الرئيس المشارك لمجموعة إعلان إسطنبول Custodian Group، لـ MRRORS.Org:«لقد شهدنا أعداداً كبيرة من عمليات زراعة الأعضاء في هذه الدول حيث التبرعات من المتوفين قليلة، فيما المتبرعون الأحياء هم من غير المواطنين وممن لا يحملون جوازات سفر مما يثير الشك في تعرضهم للإكراه على التبرع. فيما أثار البعض شكوكاً حول ممارسات غير أخلاقية» [انظر الشريط الجانبي DICG عن لمزيد من التعليقات]

كما كشف بحث MRRORS عن أن في دول الخليج لا تُجرى عمليات تشريح ما بعد الوفاة. فمن بين 40 حالة تناولها التحقيق (بما في ذلك مقابلات وملفات خاصة بـ 36 أشخاص متوفين و4 على قيد الحياة)، كان أكثر من نصف هؤلاء العمال المهاجرون، أشخاصاً تقل أعمارهم عن 30 عاماً، بينما جميعهم، ماعدا شخص واحد، تقل أعمارهم عن 40 عاماً. مع الإشارة إلى أن جميع المهاجرين الذين يفدون إلى دول الخليج يخضعون لفحوصات طبية صارمة قبل المغادرة، ومرة أخرى بعد وصولهم وقبل التحاقهم بوظائفهم وإصدار تصريح الإقامة لهم. ومع ذلك يتكرر ارجاع وفاة أشخاص تتراوح أعمارهم ما بين 20 و30 عاما لأسباب طبيعية أو بسبب السكتة القلبية. 

ويلعب عامل الوقت دورا في هذه المشكلة، إذ أن الجثامين تُعاد وهي في حالة تحلل. فالعائلات غالباً ما يتم إعلامها بالوفاة بعد وقت طويل من حدوثها، ثم قد تستغرق محاولات إعادة أحبائهم شهوراً وربما سنوات. وعنما تصل الجثامين تكون عليها علامات لجروح غامضة أو ندوب جراحية، وأحياناً بعيون مفقودة وجذوع غائرة إلى الداخل. وكما تفرض التقاليد المحلية، يتم الإسراع بدفن الميت دون تأخير، ولا ترى عائلات المتوفين الندوب سوى في آخر لحظة عند تحضير الجثمان للدفن. وعندما تطرح التساؤلات، يتم اسكاتها بسرعة من قبل وكلاء التوظيف والمسئولين مبررين ذلك بأن الوقت بات متأخراً لفعل أي شيء. أما أولئك الذين يصرون ويطالبون بالتشريح فهم يتراجعون بعد ذلك بسبب عدم قدرتهم على تحمل التكاليف. 

مرة تلو الأخرى يُسمع عن إغراء «العشب الأكثر اخضرارا على الضفة الأخرى» من الكينيين الراغبين في الذهاب إلى الخليج. ولا يتأثر ذلك بالقصص المروعة عن الوفيات والإساءات التي تُغرق وسائل الاتصال المحلية. وربما يعود ذلك لتكرار الأخبار في الإذاعة وشاشات التلفزيون لـ«حلم الخليج»، إذ يظهر مسئولون حكوميون في أحاديث لا تنتهي حول الفرص العظيمة التي تنتظر كينيا ومواطنيها، والتحويلات المالية التي تزدهر من خلال المهاجرين.  

ولذلك، يسافر الآلاف كل عام بتذاكر سفر تحمل الأمل؛ لكن كثيرون يعودون في صناديق شحن. ففي خلال السنوات الـ5 الأخيرة، ظهرت قصص كثيرة عن ارتفاع حالات انتزاع أعضاء المهاجرين بدون علم وموافقة أصحابها [أنظر الشريط الجانبي]. ولم تولِ السلطات أية أهمية لكل ذلك سواء في دول الأصل أو دول المقصد. ونظراً لغياب التحقيقات، تبقى معظم الأدلة في شكل شهادات من عائلات الضحايا أو من الضحايا أنفسهم. 

نحن نعلم أن لدى السعودية ودول الخليج الأخرى حاجة كبيرة للأعضاء، إذ لا تسجل أعداد كبيرة من المتبرعين، كما أن العائلات لا توافق عادة بالتبرع. ويلاحظ أن نصف المتبرعين هم من غير السعوديين - يفتح في علامة تبويب جديدة، لكن ما يبقى غامضاً هو كم من هذه التبرعات تمت بموافقة ووعي وليس باستغلال موازين القوة. وبحسب طبيب في السعودية فإن "موافقة كثير من المهاجرين تأتي بدون وعي وعلم تام بأبعاد التبرع ، وبالتالي فهم مجبرين على ذلك، خصوصاً مع وجود وعد بنوع من التعويض [أنظر قسم «العامل السعودي»]. 

معظم المؤشرات التحذيرية للاتجار بالأعضاء المرتبط بمتبرعين أحياء لا تربطهم قرابة بالمستفيدين - يفتح في علامة تبويب جديدة، واضحة في جميع الحالات التي سجلها التقرير. هذه المؤشرات على سبيل المثال لا الحصر: استدراج المتبرعين من خلال نداءات في وسائل الإعلام؛ المتبرعون تربطهم علاقة تبعية بالمستفيدين؛ من جنسيات أجنبية؛ الوثائق تكون في حيازة طرف ثالث؛ غياب اللغة المشتركة؛ وجود فوارق اجتماعية-اقتصادية بين المتبرع والمتلقي؛ المتبرعون المرتقبون يأتون من مناطق معروفة بالاتجار بالأعضاء. 

كان من حسن حظ جيبريس وفرانسيسكا الانتباه إلى هذه المؤشرات التحذيرية، وإن كان ذلك بمحض الصدفة. فخاطرت جيبريس وهربت، فيما غيّرت فرانسيسكا رأيها وتمكنت من تخليص نفسها من اتفاق كان سيودي بحياتها وقد ينتهي بها الأمر في كيس الموتى. أما غلوريا فلم تكن محظوظة بما يكفي ليجنبها النجاة من الموت، ولكن بعد أن فقدت عضواً منها. الجميع ترك فيهم التعرض لهذه التجربة ندوباً مرئية وأخرى غير مرئية. 

معظم المؤشرات التحذيرية للاتجار بالأعضاء المرتبط بمتبرعين أحياء لا تربطهم قرابة بالمستفيدين، واضحة في جميع الحالات التي سجلها التقرير. هذه المؤشرات على سبيل المثال لا الحصر: استدراج المتبرعين من خلال نداءات في وسائل الإعلام؛ المتبرعون تربطهم علاقة تبعية بالمستفيدين؛ من جنسيات أجنبية؛ الوثائق تكون في حيازة طرف ثالث؛ غياب اللغة المشتركة؛ وجود فوارق اجتماعية-اقتصادية بين المتبرع والمتلقي؛ المتبرعون المرتقبون يأتون من مناطق معروفة بالاتجار بالأعضاء.

النجاة بأعجوبة

غالبية المزاعم في هذا التقرير تتعلق بنساء كينيات، إلا أن هناك أيضا حالات من دول أخرى. فأواه فرانسيسكا مبولي تعيش الآن في المنطقة الشرقية من الكاميرون، لكن قبل عدة سنوات، كانت على وشك الوقوع ضحية لتجار الأعضاء في الكويت، ففي 2015، سافرت إلى الكويت من أجل كسب لقمة العيش، بقيت هناك من مايو 2015 حتى أغسطس من العام نفسه. ذهبت إلى هناك بغرض العمل كمعلمة للغة الإنجليزية لكن الأمر انتهى بها كعاملة منزل قسراً. عملت في منازل ثلاث أسر مختلفة، واجهت في كل منزل إساءات واستغلال أكثر من سابقة، وكانت في أمس الحاجة للعودة إلى بلادها، وفي هذا الوقت لفت انتباهها الإعلان.  

تقول أواش: «كنت أجلب الصحف من أمام الباب كل صباح، وأقرأ القسم الإنجليزي. وذات يوم رأيت إعلاناً يدعو للتبرع بالكلى. فسجلت رقم الهاتف وقمت بالاتصال بأشخاص أخبروني أنهم عائلة شخص بحاجة لكلى. كنا نتواصل على مدى أسبوعين وكانوا في أمس الحاجة وأخبروني أنهم سيدفعون لي 10٬000 دينار كويتي (32٬000 دولار أمريكي) لو كان هناك تطابق. كنا أيضا في وضع يائس لكنني تفاوضت معهم وطلبت 15٬000 دينار كويتي. وتم الاتفاق بيننا، وأخبروني أنهم سيأتون لاصطحابي من مكان إقامتي إلى المستشفى لإجراء فحوصات. طلبوا مني أيضا مشاركة رقمهم مع أصدقائي الراغبين في ذلك». 

جاءت فرانسيسكا إلى الكويت بصحبة صديقة لها في حاجة ماسة، مثلها، للمال فقامت بربطها أيضا بهؤلاء الأشخاص. وتقول:«في اليوم المحدد ليأتوا لاصطحابي، طرأت في رأسي فكرة مفاجئة. لا اعتقد أنهم سيأخذون الكلي ويدفعون لي المبلغ المتفق عليه. شعرت أنهم سيأخذون كل أعضائي ويرمونني، فلماذا يريدون صديقتي أيضا؟ قمت بحظر رقمهم وتوسلت لصديقتي أن تفعل الشيء نفسه. كان لديهم موقع إقامتي فجاءوا في اليوم المحدد للقائنا. كانوا يبحثون عني طيلة اليوم في الشارع حيث أقيم». وتتذكر أنهم كانوا امرأتين وولد صغير وسائق. كانت مرعوبة مما حدث، فلجأت إلى سفارة توغو في بداية الأمر، ثم إلى سفارة جمهورية أفريقيا الوسطى، إذا لا توجد سفارة للكاميرون لدى الكويت. ومن هناك تم ترحيلها إل بلدها بمساعدة منظمة تكافح الاتجار بالبشر. 

وفرانسيسكا التي أصبحت الآن المديرة التنفيذية لشبكة الناجين الكاميرونيين - يفتح في علامة تبويب جديدة، على يقين بأنه من الصعب على كثيرين ممن يقعون ضحية الإغراء بالمال النجاة بأنفسهم. فمع ظروف الفقر في الوطن، والأجور المنخفضة وظروف الاستغلال في الخارج، تبدو مثل هذه العروض المالية مقابل عضو في الجسم مخرجاً سهلاً. 

روت فرانسيسكا حكاية ابن عمها الذي عاد مؤخرا من دبي حيث عمل كسائق. عندما عاد كان مريضاً، ثم توفى. تقول إنه وثق بها فقط في أيامه الأخيرة قبل الوفاة واعترف لها بما حدث له. تقول: «كان يعمل في دبي في 2022، عندما قصده أحد الأشخاص ووعده بمبالغ كبيرة إذا ما تبرع بعضو من جسده. كان هناك طرفان مشاركان في هذا الاتفاق – وسيط ومشتري الكِلية. لكنهم أخذوا كلِية قريبي ثم خدعوه. واشتد عليه المرض لأنه لم يكن يملك مالاً للعناية بعد العملية التي أجريت له. أصيبت كليته الأخرى بالالتهاب أيضاً. وعاد إلى الكاميرون حيث توفى في 2023.» 

«في اليوم الذي كان من المفترض أن يأتوا فيه ليأخذوني، حدث شيء ما. لم أصدق أنهم سيأخذون كليتي فقط ويعطونني المال.» - أواه فرانسيسكا مبولي

وقال أحد العاملين في مزرعة دواجن في السعودية، فضل عدم ذكر اسمه، إن زملاءه كانوا يُؤخذون بشكل روتيني إلى المستشفى ويقال لهم أنهم سيخضعون لعملية استئصال الزائدة الدودية. وعندما جاء دوره، قاوم وعاد إلى بلاده، لكنه غير متأكد ما إذا كان الآخرون يذهبون وفق إرادتهم أم لا. 

هناك الكثير من وسائل الإكراه، والموافقات الباطلة التي يتم الإبلاغ عنها. في هذا السياق، تحدثت أشا* لـ MRRORS، فور عودتها من لبنان، في مارس 2024 من مأوى في كينيا مخصص للناجين من عمليات الإتجار. كانت أشا وهي أرمله (32 عاما)، ولديها 3 أطفال، قد ذهبت إلى لبنان في 2022. وأرادت العودة قبل انتهاء عقدها، لكن صاحب العمل طلب منها إعادة تكاليف التوظيف أو أن تقايض العودة بكليتها. فتبرعت بكليتها في مقابل تذكرة العودة إلى كينيا في 2023. وتدهورت حالتها الصحية خلال الشهور التالية لعودتها بسبب عدم قدرتها على الحصول على الرعاية ما بعد العملية. وتوفيت في المأوى في ديسمبر 2024. 

ونجت جيبريس (24 عاماً) الذكية اللماحة بأعجوبة من قدر مماثل وإن تركت التجربة فيها آثاراً نفسية مازالت تعاني منها. كانت جيبريس تتحدث في شقتها المكونة من غرفة نوم واحدة بالطابق الخامس من مبنى ضيق في مدينة كيليفي على الساحل الكيني، فيما كانت تساعد ابنها في انجاز واجباته المدرسية، وتروي لنا قصة هروبها بأعجوبة من مستشفى بالمدينة المنورة بالسعودية. كانت تبلغ العشرين من العمر عندما وصلت إلى السعودية في أغسطس 2020. تقول: «عملت لدى أسرة مكونه من زوجان وابنهما (20 عاما)، كان عليّ أن أعمل في منزلهما وكذلك لدى والدة المدام. كانت السيدة الكبيرة تعاني من مشكلة في الكلي». عندما تحرش بها الابن، أخبرت جيبريس صاحبة العمل، التي فاجأتها باتهامها بمحاولة إقامة علاقة جنسية مع الزوج أيضاً. تقول: «كانت غاضبة جدا مني. ثم بدأت تتعامل معي بلطف شديد، وقالت إنها ستأخذني إلى المستشفى للتأكد من أنني لست حاملاً. أخبرتها إنني لم أعاشر أي أحد، لكنها أصرت وقالت إنها لا تهتم إن كنت قد عاشرتهم أن لا». 

وحيث أن جيبريس لا تتحدث العربية، كانت كلما ضايقها إحساسها بأن الحديث يدور عنها، تقوم بالتسجيل ثم تترجمه سراً. بدأت تشك بأن هناك أمر غير عادي عندما سمعت حديثاً يدور بين صاحبة المنزل وأشقائها في بيت والدتهم العجوز. تقول: «كانوا يتحدثون عن التبرع بالكلى». 

«أجبروني على التوقيع على أوراق مكتوبة باللغة العربية، ولم أتمكن من ترجمة ذلك. لكنني قمت بتسجيل الحديث الذي دار بين الطبيب والعائلة. كانوا يخبرونه أنني وافقت. طلبوا مني تغيير ملابسي إلى رداء المستشفى وأخبروني أنني سأبقى في المستشفى لليلة لإجراء الفحوصات، كما وضعوا لي محاليل بالوريد. لم أفهم لما تجرى كل هذه الفحوصات للتأكد من الحمل!» - جيبريس

عندما أُجبرت جيبريس على الذهاب إلى المستشفى وإجراء العديد من الفحوصات، أدركت أنها في خطر وأن عليها الفرار. «أجبروني على التوقيع على أوراق مكتوبة باللغة العربية، ولم أتمكن من ترجمة ذلك. لكنني قمت بتسجيل الحديث الذي دار بين الطبيب والعائلة. كانوا يخبرونه أنني وافقت. طلبوا مني تغيير ملابسي إلى رداء المستشفى وأخبروني أنني سأبقى في المستشفى لليلة لإجراء الفحوصات، كما وضعوا لي محاليل بالوريد. لم أفهم لما تجرى كل هذه الفحوصات للتأكد من الحمل!». 

ظل معها أحد أفراد العائلة الشباب لمراقبتها، لكن ما أن استغرق في النوم حتى نزعت عن نفسها أنبوب المحلول الوريدي وهربت من المستشفى. في الطريق رآها أحد المارة وساعدها للذهاب إلى الشرطة، وأنذرها أنه ربما يتم حبسها. «كنت على استعداد أن أُسجن، ولكن لا أعود إلى تلك الأسرة. في مركز الشرطة أخذوا يكررون سؤالي عن صاحب عملي، لكني تظاهرت أنني لا أعرف شيئاً وأنني فاقدة التركيز ولا أتذكر من هو صاحب عملي. وعندما أخبروني أن صاحب العمل جاء باحثاً عني أريتهم آثار إبرة المحلول الوريدي على يدي وتوسلت لهم أن لا يعيدوني لهم. فأبقوني في مركز التوقيف لمدة شهر ثم عدت إلى الوطن في أكتوبر». 

وتضيف: «أعاني حالياً من أجل لقمة العيش، لكني لا أفكر في السفر مجددا». وتقول إن أصحابها يسافرون للعمل في الخارج ويطلبون منها أن تذهب هي أيضا، لكن ذلك لم يعد له موقع في نفسها. وتقول: «لقد سمعت في السابق عن سوء المعاملة، لكن هذا، أن يأخذوا كليتي، لم أسمع بذلك من قبل أبداً».  

أما غلوريا فلم تكن محظوظة مثل جيبريس، لذا أصبح عليها أن تتحمل الألم وتتناول الأدوية مدى الحياة. وبرغم مرور سنوات على ما تعرضت له، إلا ستظل تعاني من الندوب والصدمة طيلة حياتها. قابلنا غلوريا بالقرب من منزلها في ضواحي نيروبي لتروي لنا حكايتها. في 2015 غادرت غلوريا إلى عمان بعد أن حصلت على وظيفة من خلال وكيل توظيف دفعت له مبلغاً من المال. عملت هناك لمدة 3 أسابيع في منزل عائلة محلية مكونة من زوجين مسنين ويعيش معهما ابنهما وزوجته. في الأسبوع الرابع، قدمت لها العائلة، على غير المعتاد، وجبة الغداء. تقول: «بعدها شعرت بالغثيان ولم أكن على ما يرام في ذلك المساء، فأُخذت للمستشفى. وكنت فاقدة للوعي. وعندما استيقظت كان قد مر أسبوع ووجدت نفسي في وحدة العناية المركزة، وكان هناك ضمادات على جانب من بطني». كانت مشوشة وحاولت أن تستفسر عن الوضع باللغة الإنجليزية. تقول: «لم أكن أعلم أن عملية قد أجريت لي، كنت أريد أن أعرف. كان الأطباء فظّين معي. واجهتهم ففالوا أنهم سيخبرونني بما حدث فيما بعد. بقيت ليومين آخرين في المستشفى. وكنت أعلم أن شيء ما ليس على ما يرام، لكنني لم أعرف ما هو. لم يريدوا أن يخبروني بأي شيء، حتى أنهم لم يسلموني ملفي الطبي». 

خرجت من المستشفى بعد أن دفع صاحب العمل جميع التكاليف. وبعد فترة قصيرة أنهو ا عقدها ورحّلوها بحجة أنها لم تكن صالحة للعمل. 

وبعد عودتها شعرت غلوريا بالمرض وذهبت إلى مستشفى كي يو (Kenyatta University Teaching, Referral and Research Hospital)، وهناك عرفت أن إحدى كليتها توقفت عن العمل وأن الأخرى تمت إزالتها. وبدأت عملية غسيل الكلى، حتى تبرع لها شقيقها بإحدى كليتيه عندما ساءت صحتها. وحتى الآن تتناول غلوريا الأدوية ولا يزال جسدها يحمل ندوباً بجانب عظام الترقوة بسبب عملية غسيل الكلى ومن عملية زراعة الكلى لها.

وتقول إنه برغم من علم المستشفى بأن إحدى كليتها قد تم إزالتها، إلا أنه لم يُجر أي تحقيق في الأمر. وهناك حكايات كثيرة تشبه حكايتها. 

الحالات في كينيا

متأثرة بحادثة تعرضت لها شقيقتها، أصبحت جين* من أبرز الأصوات المنادية بوقف تجارة الأعضاء. فقد تم الإتجار بشقيقتها (فضلت عدم ذكر اسمها) عندما ذهب للعمل في السعودية، وتعتبر الآن من الناجين من عملية نزع الأعضاء بشكل غير قانوني. تقول جين لـ MRRORS: «إن تجارة الأعضاء أصبحت مزدهرة الآن، وأن وكلاء التوظيف أصبحوا جزءا من شبكات الاتجار لتسهيل ذلك. مع العلم أن بعد الوكالات يديرها أشخاص ذوي نفوذ في الحكومة الكينية». 

شاركتنا جين ببعض الإحصائيات بناء على بحث قامت به، وتقول إن أغلى الأعضاء هي التي تؤخذ من متوفين، وأنا الأعضاء التي تزال من أحياء يقل سعرها ما بين 10٪ و15٪. وتبلغ أسعار الأعضاء وفقاً لجين كالتالي: الكلى 62٬000 دولار أمريكي، القلب 130٬000 دولار أمريكي، الكبد 98٬000 دولار أمريكي، الرئة 150٬000 دولار أمريكي، القرنية 30٬000 دولار أمريكي. 

عودة مروعة

«إن الأطباء في كينيا سألوا إن كانت بولين تعلم أنها فقدت إحدى كليتيها أيضاً. لكن كانت العملية الوحيدة التي أجريت لها قبل ذهابها إلى السعودية هي لإنجاب طفلها الثالث بعملية قيصرية. لم تتعرض لإجراء أي عملية أخرى قبل ذهابها». - يونيس، شقيقة بولين

تعيش يونيس في كوخ صغير وأنيق وسط مزارع الشاي في مقاطعة كيمبو المجاورة لنيروبي. كانت بملابس وحذاء العمل عندما رحبت بنا في منتصف يومها وقادتنا إلى غرفة الجلوس. كانت شقيقها بولين موثوني تعيش أيضاً في المنطقة حتى 2014. كبرت الشقيقتان معاً هنا، وكلاهما تعملان في مزارع الشاي كامرأتين شابتين. في 2014، ذهبت بولين إلى السعودية لإعالة أطفالها الثلاثة لكنها عادت كظل شبحي لما كانت عليه، في 2021. وخلال فترة قصيرة من إقامتها في السعودية أصبحت غير نظامية بعد أن تنقلت من صاحب استغلالي إلى آخر. أخرجت يونيس لنا عدة ملفات، ممتلئة بالوثائق، ومعظمها وثائق طبية من السعودية لفحوصات طبية أجريت في مستشفيات خاصة وحكومية في السعودية عدة تصل تكاليفها إلى آلاف الريالات السعودية. لم يكن واحدا من هذه الوثائق يحمل اسم بولين. كانوا باسم ميري وماري جوزيف، ولكل رقم إقامة مختلف. توضح يونيس: «كانت مريضة جدا هناك، ولأنها لا تملك وثائق صالحة، كانت صديقتها تساعدها للحصول على العلاج باسم أشخاص آخرين لديهم إقامة صالحة». وهذه الصديقة نفسها، لوسي، وجدت من هو مستعد لدفع كل تكاليف الزيارات الطبية. 

تعود الأرصدة لمراكز طبية متعددة في الرياض بما في ذلك مستشفى الفلاح، مدينة الملك سعود الطبية، مجمع النون الطبي، ومركز صفا مكة للتشخيص. قيل لبولين إن العملية أجريت لها لأنها كانت تعاني من مشكلة في معدتها والأمعاء والمريء، لكنها لم تجد ما يدل على ذلك في أكوام الوثائق الطبية التي لديها. 

تقول يونيس إنه عندما عادت شقيقتها إلى كينيا في سبتمبر 2021، بدت هزيلة، لكن لديها تورم في المعدة والساقين، وأيضا كان لديها احتباس في السوائل في الظهر.  وتوضح: «أخذناها إلى مستشفى KU، وتم سحب السوائل من الحبل الشوكي». لم تتذكر يونيس نوع العلاج الذي تلقته شقيقتها، لكن بعض الوثائق من مستشفى KU تشير إلى أنها وضعت تحت العناية التلطيفية (تقدم للحالات الميؤوس من شفائها). 

وقالت صديقتها لوسي التي تحدثت بالهاتف مع MRRORS.Org، إنها التقت بولين في 2018، حاولت مساعدتها. وقالت إن معظم العلاج قٌدم لها من خلال مستشفى حكومي يسمى الشميسي (في مدينة الملك سعود الطبية)، باستخدام بطاقة الهوية لأشخاص آخرين. اضطرت بولين للعودة إلى كينيا بعد أن أخبرها الطبيب في السعودية أنها مريضة جداً بعد إجراء العملية لها ولن تتمكن من البقاء للعمل في السعودية. 

تقول يونيس إن الأطباء في كينيا سألوا إن كانت بولين تعلم أنها فقدت إحدى كليتيها أيضاً. لكن «كانت العملية الوحيدة التي أجريت لها قبل ذهابها إلى السعودية هي لإنجاب طفلها الثالث بعملية قيصرية. لم تتعرض لإجراء أي عملية أخرى قبل ذهابها». 

فيث مورونغا وصوفيا أميمو (كلاهما أجرت معهما MR مقابلات سابقا في 2022) هما ناجيتان وناشطتان كانتا ترافقان بولين في أيامها الأخيرة وتساعدانها في المستشفى. أكدتا على ما قالته يونيس. وقالت فيث: «أخبرنا الأطباء أن إحدى كليتيها قد أُزيلت. ولم تخبرنا بولين عمن تحمل تكاليف كل هذه الفحوصات الطبية باهظة التكلفة التي أجريت في السعودية لها. لكن كان هناك بعض الندوب الجراحية على جسدها». لم يكن تشريح ما بعد الوفاة ممكناً بسبب عدم امتلاك العائلة للمال، فكل ما ا دخرته بولين أنفق بعضه أبنائها قبل عودتها، ثم أنفقت ما تبقى منه على علاجها في شهورها الأخيرة في كينيا حيث فارقت الحياة في أكتوبر 2022. يشار إلى أن كلفة التشريح في كينيا تتراوح ما بين 75٬000 شيلنغ كيني (580 دولار أمريكي) و100٬000 شيلنغ كيني (780 دولار أمريكي). 

الصورة ليست واضحة، فالشهادات متضاربة، حتى يونيس وفيث لا يعتقدان أن بولين تعرف الحقيقة كاملة. تقول صوفيا: «أخبرتني بولين أنها اضطرت للتبرع بأحد أعضائها لتمويل عودتها إلى كينيا. وفور عودتها، تدهورت حالتها الصحية بشكل خطير ولا بد من ذهابها لمستشفى KU. هناك أُخبرنا أن لا وجود لإحدى كليتيها». وصوفيا ناشطة أسست مؤخراً منظمة عاملات المنازل العائدات إلى كينيا (DWRoK) للدفاع عن حقوق الناجيات، وإن كان نشاطها يسبق إنشاء المنظمة.

سلسلة تحمل المسئولية في دول الخليج وكينيا غير واضحة وغامضة في أفضل الأحوال. وفي ظل غياب الاهتمام الحكومي بالأمر، يُترك أمر جمع الأدلة بشكل غير رسمي للصحافيين المواطنين، والنشطاء وعائلات الضحايا. ففي كينيا تصل نداءات العمال الواقعون في المحن لوسائل التواصل الاجتماعي من خلال المؤثرين على هذه المنصات وسرعان ما تكون هناك مادة دسمة للجدل، وتدخل أطراف كثيرة للاستفادة والتكسب من وراء القصة [أنظر الشريط الجانبي بعنوان الناجون والجناة]. وتوجد، بشكل أسبوعي تقريبا، حالات تعرض أصحابها للإساءة الشديدة أو لقوا حتفهم. على سبيل المثال هناك حالة إيما التي توفيت في بداية فبراير، ولم تعاد رفاتها حتى الآن. لا أحد يعلم حتى الآن كيف توفيت، والتصريح الصادر عن السفارة الكينية في السعودية، يحمل اسم إثان، وهو اسم لم تسمع به عائلتها من قبل. ويقول صحافي قام بتغطية الخبر للصحافة المحلية، إن إثان تواصل مع العائلة وطلب موافقتها على التبرع بأعضاء إيما، فربما يساعد ذلك في تغطية نفقات إعادة جثمانها. أما العائلة فلم تكن على استعداد للتحدث عن الأمر. 

تكلفة إعادة الجثامين باهظة جداً، ورغم أن القانون السعودي يلزم صاحب العمل بتحمل هذه الكلفة، إلا أن الحكومة الكينية تتوقع من عائلات المتوفين تحمل هذه التكاليف، وتُحمّل العائلات المكلومة هذا العبء دون التفاوض مع السلطات السعودية لاحترام التزامات التعاقد بين الطرفين. ويتساءل الناشطون، إن لم يكن لدى الحكومة الكينية التزام بإعادة جثامين مواطنيها، فكيف نتوقع أن يكون هناك التزام منها بإجراء تشريح للجثث، حتى وإن كان جميع الضحايا تقريبا تتراوح أعمارهم ما بين 20 عاما و30 عاماً. حتى في القضايا البارزة جدًا، يبدو تقاعس الحكومة واضحًا، رغم أن كل حالة وفاة تبدو مريبة، إذ إن الضحايا في الغالب في سنّ الـ20 والـ30 من أعمارهم.

بياتريس واروغورو موانجي إسماً صار معروفا في كل بيت بعد أن سمع الجميع بحكاياتها. وقامت صوفيا بعرض حالتها على البرلمان. ماتت بياتريس في النعيرية الواقعة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. كانت بياتريس تبلغ من العمر 19 عاماً عندما ساعدها أحد وكلاء الوظيف لتزوير شهادة ميلادها للحصول على جواز للذهاب الى السعودية. بدأت تتعرض للإساءة الجسدية فور وصولها إلى السعودية، وتواصلت مع صديقها طلباً للمساعدة. وخلال أيام انقطع التواصل بينهما، واختفت بياتريس. 

تتمسّك مارغريت، توأم بياتريس، ووالدتها ميرسي بملفّ مهترئ من الوثائق، ولا يكاد يحدوهما أمل بتحقيق العدالة.

كانت بياتريس وشقيقتها التوأم تعيشان مع والدتهما ميرسي في كابينه صغيرة من الصفيح في داندورا، وهي منطقة معروفة بأنها مكب للنفايات الصلبة، ومجاورة لماثير، أكبر الأحياء الفقيرة في البلاد. تُعلق يافطة «للبيع» على الكابينة، بينما ينتاب القلق ميرسي لأنهم قريبا سيصبحوا بلا مأوى بعد أن طلب منهم صاحب المكان إخلاؤه. وعائلة ميرسي مثل جميع العائلات التي تعيش في الأماكن المتهالكة، تحتفظ دائما بملف يحوي وثائق مهمة، ولكنها مهترئة ويأملون أن تنصف معلوماتها أحبابهم ذات يوم. في جواز سفر بياتريس، توجد بطاقة عمل لشخص من اتحاد وكالات المهاجرين الماهرين في كينيا (ASMAK). 

يلازم ميرسي شعوراً بالذنب. تقول وهي تشير إلى المكان المكتظ حولها: «أنا مريضة بالقلب، نعم، وأعيش في الفقر، كما ترى». في هذا المكان تعيش ميرسي وابنتاها الناجيتان وأحدهما مارغريت وحفيدها. تقول: «كانت ابنتي هي المعيل الوحيد لنا، ذهبت حتى توفر لي الدواء، ذهبت إلى هناك حتى أكون أنا على ما يرام».

لكن لم يعلم أحد بخططها، حتى مارغريت التي كانت حبلى وقتها، علمت من خلال شقيقتها التوأم فقط في ليلة مغادرتها. 

تضم ميرسي الملف البلاستيكي إلى صدرها وتتذكر كيف علمت بوفاة ابنتها بياتريس. كانت تتردد على المستشفى للعلاج. وخلال إحدى المرات، تناهي إلى سمعها حديثا يدور هناك. تقول: «سمعت الطبيب يقول إن هناك بنت صغيرة جاءت لزيارة والدتها هنا [في المستشفى] ثم ذهبت إلى السعودية، وأنها الآن في حالة خطرة. فسألت كيف حالها البنت الآن؟ ومن هي؟ حينها رأيت على شاشة الهاتف أنها ابنتي». 

كان شعور ميرسي لا يطاق وهي تروي رحلة بحثها عن ابنتها، تقصد الجهات التي تظن فيها المساعدة، واحدة تلو الأخرى دون جدوى. فتارة تتوسل للشرطة، وأخرى للوكلاء، ثم الحكومة طالبة منهم إعادة ابنتها قبل أن يصل إلى علمها أن ابنتها لم تعد على قيد الحياة. أذاقها هؤلاء صنوف الإساءة والاحتقار إذ تقول: «كان الوكيل يسيء لي بقسوة. كان الوكلاء ينادونني بالساحرة.  الشرطة صدّوني قائلين إن القضية حدثت في دولة أخرى، كنت أحصل على أخبار ابنتي من وسائل التواصل الاجتماعي، كنت مريضة جدا وبلا مأوى». اختلطت ذكريات ميرسي وهي ترويها بالدموع، والدعاء ويتخلل ذلك الصمت وتكرار عبارة لا، لا، لا، وتقول إنها لا تستطيع أن تنام. تغلق ميرسي عينيها وكل ما تراه بقايا ابنتها التي طالما كانت جميلة ومميزة. كانت تشير إلى مارغريت، التوأم المطابقة لبياتريس وكأنها تؤكد ما تقول. 

قبل رحيلها، تحدثت بياتريس لشقيقتها التوأم مارغريت. «غادرت كينيا في 20 فبراير 2021. كانت مترددة ولم تكن تريد أن تسافر. علمت أن كل شيء كان مزوراً، من شهادة ميلادها حتى تقرير الفحص الطبي، وكانت خائفة. تظاهر رجل من وكالة التوظيف NADESCO أنه والدها ليستكمل وثائقها. لكن في ذلك الوقت لم يعد لديها خيار وأجبرت على الذهاب». وبدأت الإساءة توجه اليها فور وصولها، وأول ما تعرضت اليه أن قام صاحب العمل بحرق ذراعها بمكواة الملابس، وحينها اتصلت بياتريس بصديقها تطلب مساعدته، لكن التواصل معها توقف خلال أيام قليلة، وبدأت عائلتها تطلق مناشدات للمساعدة، ولم تتأكد وفاتها إلا بعد مرور عامين، وأُعيدت رفاتها في 2023. 

تواصلت ميرسي مع عمل صاحبة عمل ابنتها، بعد أن حصلت على رقم هاتفها بطريقة ما، وتوسلت لها أن تعيد رفات ابنتها على الأقل. تقول: «أخبرتني أنها نسيت هذه القصة لأنها أرسلت الجثمان فعلا، وهددتني باقول أن بإمكانها شراء حتى رئيس كينيا».

منعت التقاليد مارغريت من رؤية جثمان شقيقتها التوأم. لكن ذاكرة ميرسي لاتزال مثقلة بالمنظر الذي رأت بقايا ابنتها المتفحمة والمتحللة والمشوهة. تقول: «كيف تكون هذه ابنتي؟ جسدها يبدو خالياً، ليس به معدة. ثدياها مقطوعان، ورقبتها مقطوعة تقريباً. تأخذون ابنة الناس وتفعلون هذا بها؟ ما الشيء الكبير الذي فعلته، ويستحق هذا الذي فعلتوه بها؟  ليتني أتمكن من الوصول لمن فعل هذا بها...» كانت تبكي: «سألت، إن كانت هذه هي ابنتي! أريد لقلبي أن يموت».

أكدت العائلة وصوفيا، الناشطة التي تقدم لهم الدعم، أن عيني بياتريس كانتا مقلوعتان، وأن أعضائها غير موجودة». 

كانت وكالة التوظيف NADESCO، تضغط على عائلة بياتريس لوقف حملاتها المطالبة بتحقيق العدالة وتشريح الجثة. خاضت بياتريس معركة مع الحكومة لإعادة جثمان بياتريس. قالت صوفيا أن السيد جي (اسم مستعار) من كيسومو، حاول التواصل معي بعد عودتي وشهد معركتي لتحقيق العدالة. عندما لم تقدم الحكومة الدعم الحكومة الذي تستحقه، أرشدني لتقديم التماس ورفع القضية إلى البرلمان الكيني. وهذا ما فعلته. كان معنا طوال الوقت. وبسبب هذا الالتماس، تمكنوا من إعادة بياتريس. وفي هذه الأثناء كان الوكيل يهددني أنا وعائلة الفتاة. كان ASMAK يدافع عنه، ونفوذهم لا يستهان به». [انظر الشريط الجانب عن شركات تجار الشنطة والسماسرة المحتالين]

مع ذهول عائلة بياتريس لفهم ما يحدث، قادت صوفيا وآخرون معركة إظهار الحقيقة. تقول: «ذهبنا إلى نيايو هاوس (مبني شاهق في نيروبي يضم إدارات الهجرة الحكومية)، وهناك ساعدنا أحد الأشخاص للوصول إلى وزير العمل ووكالات أخرى». لم تبلغ سفارة كينيا في الرياض عن الوفاة إلا بعد مرور 7 شهور. كما استغرق الأمر عاماً ونصف العام لإعادة الجثمان. تقول صوفيا إن آخر رسالة صوتية بعثتها بياتريس إلى صديقها، والتي كانت على علم بها، كانت لامرأة شابة تتوسل المساعدة وتعبر عن خوفها من أنها في خطر كبير، وأنها لن تنجو منه. 

كانت صوفيا واحد من القلائل الذين سُمح لهم برؤية الجثة في المشرحة. تقول: «كان جسدها مفتوحاً، وكانت بلا عيون، وكانت الجسد خالي من الأحشاء، كانت أعضاؤها الخاصة مخاطة، وجسدها متحللاً تماما ويصعب التعرف عليها لولا وجود وشم على يدها وهو ما ساعد في التعرف عليها. تجمدت بجانب النقالة التي وُضعت عليها، لم يعد بوسعي الحركة للدرجة التي اضطروا لدفعي إلى الخارج. في تلك الليلة لم أستطع النوم وحدي، فقد كنت مرعوبة مما رأيت. فبقيت معي إحدى الصديقات. لم يسبق أن تعرضت لصدمة مثل هذه من قبل. كنت أشعر عندما أنهض من السرير أن الأرض تنشق وتبتلعني». 

لكن ليس جميع الحالات تحظى بهذا الاهتمام. فكثيرون يتم دفنهم بهدوء بينما عائلاتهم يعانون وتعذبهم أسئلة ليس لها إجابات. ميراجي، زوجة بكاري سافرت إلى السعودية في فبراير 2023 لتعمل كعاملة منزلية، تاركة أطفالهما الستة في رعايته في يوكوندا على الساحل الكيني. كانت تُجبر على الذهاب قسراً إلى مصر للعمل لصاحب العمل في منزله هناك. يظهر في جواز سفرها تأشيرتان للدخول المتعدد إلى مصر وكثير من أختام الدخول والخروج. أُصدرت آخر تأشيرة في فبراير 2024 وهي صالحة إلى مايو من العام نفسه. يقول زوجها: «لم تكن تحظى بمعاملة جيدة لكن على الأقل كانت تتحدث معنا بشكل منتظم. لكن التواصل معها توقف تماماً في بداية يونيو». 

وفي4 يوليو، أبلغتنا السفارة الكينية في القاهرة أن ميراجي توفيت في 1 يوليو، وهو اليوم المذكور في شهادة الوفاة أيضاً. وفي وثيقة صدرت في 24 يوليو، أكدت السفارة الكينية نقل الجثمان، كما ذُكر أن السلطات المصرية أصدرت شهادة بتحنيط الجثة. وفي حين تم ذكر الإجراءات التي اتُخذت للتحنيط، ذُكر في الوثيقة «ملاحظة مهمة: سبب الوفاة طبيعي وليس بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)». 

لكن بكاري يعارض هذا الادعاء قائلاً: «كانت عيناها مفقودتين. نعتقد أنها توفيت قبل 1 يوليو بوقت طويل. ربما خلال الوقت الذي توقفت عن التواصل معنا. وكيف تكون الوفاة طبيعية؟ عمرها 41 عاماً وهي بصحة جيدة. لكنها عادت بعينين مفقودتين، كما أن جسدها لم يكن في حالة جيدة، لأنه لم يحفظ في المشرحة فور حدوث الوفاة». 

صاحب العمل أخبر المسئولين أنه عُثر عليها ميتة في غرفتها، لكنها لم تُقبل في مشرحة حكومة القاهرة لأن وثائقها لم تكن سارية الصلاحية. «تتدخل السفارة السعودية لحماية مواطنيها، أي صاحب العمل. لكن لم يُحمل أحد مسئولية ما حدث».

يصرّ بكاري على أن كلا حكومتي كينيا والسعودية تتحملان مسئولية الكشف عن سبب الوفاة، ويقول «ذهبت ميراجي إلى السعودية وهي في صحة جيدة للعمل وأعيدت لنا جثة من مصر، لا نملك المال لنجري التشريح للجثة كما أننا كنا تحت ضغط الإسراع في الدفن». 

كما أن هناك المزيد من التضارب في الأوراق. وراجعت MR وثيقتين منفصلتين كانت عائلة ميراجي قد تسلمتهما، وكلاهما تحملات نفس التوقيع للمفتش الصحي وفي نفس اليوم. إحداهما ذُكر فيها أنه سُمح بقل الرماد دولياً، بينما الأخرى ذُكر فيها أنه تمت إعادة الجثة بعد تحنيطها. 

أسئلة كثيرة وإجابات قليلة، وهو ما حدث أيضا مع استر، التي لاتزال شقيقتها منى غاضبة من الأكاذيب وأنصاف الحقائق التي تُبلّغ بها العائلة.

تعمل منى كضابطة في سجون إحدى المقاطعات الفرعية على الساحل الكيني. وتولت رعاية طفلي استر بعد أن غادرت للعمل في السعودية في بداية 2022. تقول منى: «كنت أتحدث معها مرة كل أسبوعين على الأقل، وفي كل مرة كانت تعبر عن احباطها. كان صاحب العمل، رب الأسرة يتحرش بها جنسياً، وعندما أبلغت الزوجة، بدأت المشاجرات والاعتداءات عليها. آخر مرة تحدثت اليها في 7 ديسمبر ومن بعدها توقف التواصل تماما حتى علمنا في 26 يناير 2023 أنها توفيت». 

اتصل شخص من وزارة الشئون الخارجية في نيروبي بوالدة استر المسجلة كأقرب من يتم التواصل معهم وقت الطوارئ، لكن من ردت على الهاتف ابنة استر الصغيرة في الصف الثامن. تقول منى: «اتصلت بي قائلة "خالتي، هناك مكالمة من شئون خارجية نيروبي وقالوا لنا إن استر ماتت". هنا أخذت رقم الهاتف واتصلت بهم. فأخبروني أنه تم العثور عليها متوفاة في جدة. فسألت لماذا هي هناك والأصل أنها تعمل في الرياض؟». 

قالوا إنها هربت من المنزل الذي كانت تعمل فيه، وادعى المسئولون أن استر قضت انتحاراً. في فبراير 2023، ذهبت منى شخصيا إلى مكتب الشئون الخارجية طلباً للمساعدة، لكنهم طلبوا منها الذهاب إلى مكتب العمل. «أخبروني أن أذهب إلى الوكيل للحصول على المال لإعادة جثمانها. دفع الوكيل جزء من المبلغ المطلوب وساهمت أنا أيضا وأعدنا الجثمان. رفضت الحكومة مساعدتنا، واستلمنا الجثمان أخيراً في 20 مارس. 

وتسترسل: «لكن عندما وصل الجثمان، اكتشفنا أن يدها مكسورة، وبها جروح على جبينها. كيف ممكن أن يكون ذلك؟ كما أن هناك شق طويل في جسمها من الرقبة حتى البطن مما جعلنا نفكر أنه ربما جرى تشريحها، لم تكن هناك أمعاء، كما فقدت أيضا أعضاء أخرى. كان بطنها غائرا تماما». [المعروف أن السعودية لا تجري عمليات تشريح حتى في حالات الوفاة الغامضة أو المشكوك في أمرها، إلا بأمر من المحكمة – وهي مرحلة لا تبلغها معظم الحالات. أما موت استر فقد صنف أنه لأسباب "طبيعية"].

وعندما ألحت منى بأسئلتها، طلبوا منها موظفو المشرحة «أن تترك القصة وتأخذ الجثمان». 

تقول منى إنه ليس بإمكان العائلة إجراء التشريح بشكل مستقل فـ «عائلتنا فقيرة، وعملية إعادة الجثمان من السعودية ليس بالعملية السهلة، ولا متابعة كل هذه الإجراءات. كنت أتابع هذه الإجراءات وحدي، ولديّ عملي أيضاً».  

تعرف فيث شعور الإحباط هذا جيداً. فالعائلة ليس لديها من المال ما يكفي لإجراء مزيد من التحقيقات. فاضطروا لترك الموضوع. يُجبرون على دفن أحبابهم ومن ثم نسيان الأمر ... ما أعرفه أن الأجساد التي شاهدتها تعرضت للتعذيب، وعانت من ألم كبير. لا يمكن القول إن ما حدث مجرد وفاة طبيعية أو انتحار.  

«خصوصاً من السعودية، تخابرني نساء يقلن إنهن يتفاوضن مع أصحاب العمل الذين يعدونهن بمبالغ مالية ضخمة إذا ما تبرعن بأحد أعضائهن. وتصل هذه المبالغ إلى نصف مليون شيلنغ كيني». - صوفيا أميمو، ناشطة وناجية

تكرس صوفيا جلّ وقتها في الاستماع، والنصح، ومساعدة من يتعرضون للمحن، بما في ذلك مساعدة العائلات لإعادة أحبابهم. تقول: «إن سألتني: كيف أنجح في ذلك؟ الإيمان... أشعر بتحول روحي وكأنني ولدت من جديد. أنا تحت الحماية». يبدو التدين العميق هو عكاز الكثيرين الذين ليس لديهم ثقة بأن الحكومة تخذ الإجراء الصحيح، ولا حتى في الدعم الذي يقدمه أفراد العائلة القريبين. فنجد ميرسي حتى وهي في محنتها الكبيرة جالسة في بيتها المتهالك الذي قد تخسره في أي وقت، يلهج لسانها بالدعاء في كل حين. من جانبها تشعر صوفيا بقلق شديد كلما تلقت مكالمات استغاثة من متضررات، خوفا من تعرضهن لسرقة الأعضاء، خصوصا من السعودية، عمان والعراق. وتقول: «خصوصاً من السعودية، تخابرني نساء يقلن إنهن يتفاوضن مع أصحاب العمل الذين يعدونهن بمبالغ مالية ضخمة إذا ما تبرعن بأحد أعضائهن. وتصل هذه المبالغ إلى نصف مليون شيلنغ كيني». وهذا يشكل إغراء كبير للذين يعيشون في فقر مدقع.  

وتتساءل: «ما الضمان لحصولهم على المال؟ أو أنهم سينجون بحياتهم بعد العملية؟ إنها مصيدة، وأحذرهن دائما من ذلك. ففي خلال العام الماضي، تواصلت معي ثلاث نساء من السعودية كن تحت الضغط للتبرع بأعضائهن». 

تقول فيث: «إنهم يخفون شيئاً عنا. تذكر التقارير الآتية من هناك دائما 3 أسباب للوفاة، إما سكتة قلبية، أو انتحار، أو توقف في القلب... لكن اسأل نفسك، كيف يموت أحد من توقف في القلب ويحمل جسده ندوب وكدمات في الرأس والجسد. الأمر غير منطقي. نحن بحاجه لعمل المزيد من التحقيقات. كما أن على العائلات أن يوصلوا أصواتهم لأعلى المستويات. أنا لا أؤمن بهذه التقارير. ولدى فيث إيمان عميق بأن كثيرات تمررن بمثل هذه المحنة لكن يخشين من الظهور والحديث عنها». 

وتضيف: «أظن أنهن يتعرضن للتهديد، وأعتقد أن السلطات تفضل أن تتعامل مع حالات الوفاة أكثر من حالات فقد الأعضاء. لأن الأخيرة أصعب قانونياً. لذلك يتم تهديد الضحايا، وهناك تخوف من الحديث ولا توجد أي حماية للضحايا». 

الحاجة ملحة لتشريح الجثث

تتفق كيكو* مع الرأي القائل بأن هناك حالات أكثر من تلك التي تخرج إلى العلن. «هناك خوف من مشاركة مثل هذه المعلومات، لأننا لا نعلم ما الذي يتبع ذلك. فهناك من يستفيد مما تقوم أنت بمحاربته، وهؤلاء أقوى منك، لذا تلتزم الصمت».

تعمل كيكو في مقاطعة كويل على قضايا المساواة بين الجنسين ورعاية الطفل، وخلال عملها دائما تصادف مهاجرين يعانون من المشاكل. وتقول: «الأطفال المهملون الذين نساعدهم غالبا ما يأتون من عائلات أحد الوالدين فيها، عادة الأم، يعمل في الخارج، بينما من يُتركون في رعايته كالأب أو الأهل يتخلون عن رعايتهم». هؤلاء يأتون الى العيادة القانونية ويتحدثون عن المرأة التي توفيت في الخارج ولايمكن إعادتها. وبحسب التقاليد والطقوس في المجتمعات في المنطقة، لابد من استكمال إجراءات التغسيل والدفن فور حدوث الوفاة. وفي كثير من الحالات تُبلّغ النساء اللاتي يقمن بذلك بوجود آثار شقوق جراحية، حتى في الحالات التي تذكر شهادات الوفاة أنها طبيعية. علماً بأن أي طلب للتشريح يجب أن تتم الموافقة عليه من قبل الرؤساء، لكن تكلفة ذلك تتحملها العائلات.

مراراً وتكراراً يقول السماسرة والمجتمع لعائلات المتوفيات، «ما الذي ستفعلونه عند التأكد من خضوع فقيدتكم لعملية؟ إنها ميتة الآن، وهم مقتنعون أن الدفن فوراً هو الحل الأمثل». فيصدر المسئولون تصاريح الدفن، فيما تسمع كيكو منهم أن الجثث تعاد من هناك جوفاء من الداخل بدون الأعضاء الداخلية. حتى نقل الجثامين من المطار إلى بيوت عائلاتهم أمر صعب، أما تغطية تكاليف تشريح الجثة فهو أمر مستحيل. 

ولا تجد الأصوات المشتبهة بوجود جرائم آذان صاغية، ولذلك لا يوجز حافز أو أمل للآخرين ليحذو حذوهم. إنهم حذرون من الشرطة ويفتقرون للثقة في الحكومة. كما تواجه منظمات المجتمع المدني صعوبات جمة في تسجيل الحالات. «يقولون لنا أننا نكرر السؤال عن قصص متشابهة، كيف نستفيد من ذلك؟» وهذا سؤال وجيه جداً. 

لو أجرى التشريح فإنه سيجيب على أسئلة كثيرة، لكن لا يتم إجراؤه حتى في أكثر حالات الإساءة وضوحاً. 

قدمت منظمة (DWRoK) ومركز (CDTD) الذي يدير مأوى للضحايا ويتولى بعض القضايا، تفاصيل عن 31 حالة وفاة مشتبه فيها فقط خلال السنوات الأربع الأخيرة، 5 حالات منها يقل أعمارهم عن 25 عاماً، و8 منها أقل من 30 عاماً، و5 أقل من 40 عاماً. وبرغم أن العمر الحقيقي ليس مذكوراً في السجلات، إلا أنهن كن أمهات لأطفال صغار. ولم تبلغ العائلات عن هذه الوفيات إلا بعد مرور ما يتراوح ما بين شهرين وعام واحد، كما استغرق إعادة الجثمان نحو العامين. وجميع هذه الجثامين وصلت بعلامات واضحة على تعرض أصحابها لإصابات وجروح.

ويعتبر السقوط أو توقف القلب أكثر الأسباب شيوعاً لهذه الوفيات، وهي أسباب غير مقنعة بالنسبة للعائلات. وفي إحدى الحالات، أرجعت السلطات السعودية سبب الوفاة إلى «تجمد الدماغ» نتيجة السقوط. كما أن 5 من الحالات دخلن إلى المستشفى لأسباب غير معروفة لديهن وتوفين بعد فترة قصيرة بعد ذلك. أغلبهن تمت معالجتهن في مستشفى الشميسي. 

يقول كريسبين كيماني الذي يقود العمل اللائق والهجرة العمالية بمنظمة CDTD: «إن التأخير في الإبلاغ عن الوفيات – يتراوح ما بين أسابيع إلى أكثر من عام – وتكرار إرجاع الوفاة لأسباب غامضة مثل السكتة القلبية أو حوادث السقوط ينذر بحدوث أمر خطير. ففي جميع الحالات التي قمنا بتوثيقها، تقريبا، تركت العائلات في معاناة من أجل الحصول على إجابات عما حدث وفرص تحقيق العدالة. كثيرون عبروا عن شكوكهم بشأن الظروف، خصوصاً مع المدة الطويلة التي تستغرقها إعادة الجثامين. إن تكرار ما يحدث يشير إلى وجود ما هو أكثر من الإهمال – ويشيرون إلى الحاجة الماسة لإجراء تحقيقات أعمق في احتمالية وجود شبكات للاتجار بالأعضاء المسروقة».

وفي الواقع، أجريت دراسة في 2018 بعنوان أخطاء شهادات الوفاة في مستشفى سعودي - يفتح في علامة تبويب جديدة، فحصت الوثائق في واحد من المستشفيات السعودية الكبرى على مدي فترة 20 عاماً فوجدوا أنه «لم يكن هناك أي أخطاء متعلقة بنقص أو عدم وجود مسبب للوفاة. ومع ذلك وجد سبب الوفاة في جميع شهادات الوفاة (100٪) إما غير صحيح أو غير موجود، 75٪ ليس بها سببا للوفاة». وهذا يطرح تساؤلات كبيرة حول أسباب وفيات المهاجرين التي تقدمها السلطات في المملكة. 

وبحسب بول أدهوك من منظمة Trace Kenya المتخصصة في مكافحة الاتجار، فإن هناك ما يكفي من الاتهامات، لتتحرك الحكومة وتأخذ الأمر على محمل الجد، وتبدأ في وضع إجراءات للتشريح.

ويقول إنهم استلموا أكثر من 100 جثة، غالبيتها لنساء، من السعودية ودول الخليج الأخرى خلال العام الماضي فقط. وأضاف أن السعودية لم تقدم وثائق معتمدة لـ 83 حالة، وكل ما ذكر فيها أن سبب الوفاة توقف في القلب. العائلات لا تدقق في الأمر وتقوم بالدفن. نحن كمنظمات نسأل أسئلة ولا نحصل على إجابات. نسأل ما هو توقف القلب الذي ينطبق، أصلا، على أي حالة وفاة.»

يقول أدهوك أيضا إن الجثث لا تصل وهي في حالة جيدة، لأن في السعودية لا يوجد كما يبدو حفظ جيد وتحنيط مناسب للجثث، لأن إجراءات الدفن بشكل عام تتم فوراً هناك وليست هناك حاجة لبروتوكولات الحفظ والتخزين.  ويشير: «أغلب المتوفين بالكاد يبلغون الـ 30 من العمر، كيف يموت كل هؤلاء الشباب؟ لا بد من تحديد سبب الوفاة. فالتركيز على السكتة القلبية ليس توضيحا كافيا». 

ويضيف: «لدينا أيضا حالات لأشخاص كانوا يتمتعون في السابق بصحة جيدة – يمرضون فجأة ويُؤخذون الى المستشفى. ويخضعون لبعض الإجراءات التي لا يعلمون سببها. ثم هناك من يختفون فجأة. الجدير بالذكر أن الحكومة الكينية فتحت المجال لتصدير العمالة، وتنوي ارسال عشرات الآلاف إلى المنطقة. وهنا تبرز سرقة الأعضاء والاتجار بها كأمر مثير للقلق ولا بد من إثارته في هذه المرحلة». 

العامل السعودي

أخبرت ممرضة كانت تعمل في السعودية لنحو عقد من الزمان، MRRORS، أنها في الوقت الذي لا تستطيع الجزم بوجود سرقة للأعضاء أو انتزاعها بالإكراه، إلا أنها تعلم جيدا أن المواطنين السعوديين نادرا ما يتبرعون. ومن التجربة تقول إن جميع المتبرعين تقريبا، فيما عدا لزراعة الكبد، هم من غير السعوديين بما في ذلك المهاجرين من دول الخليج الأخرى. «إذا لم يتبرع السعوديون، فما الحافز للآخرين ليقوموا بذلك؟»

وبحسب بيانات تم نشرها من قبل المركز السعودي لزراعة الأعضاء، فإن نصف المتبرعين هم من غير السعوديين، لكن البيانات لا توضح التبرع بحسب العضو، أو بحسب جنسية المتبرع. إلا أن من تمت مقابلتهم من المجتمع الطبي يقولون إن التبرع بالأعضاء يتم فقط لصالح المواطنين السعوديين. 

«إن التبرع بالكبد لا يشكل مشكلة لأنه ممكن أن يتم من متبرع حي، لكن التحدي في الحصول على القلب والكلى». 

وتقول الممرضة إن معلومات المتبرعين ليست متاحة، ولم تكن مطلوبة أصلاً، لا أعرف من ومتى يتم إعطاء الموافقة على التبرع، لكن غالبية المتبرعين هم من الهند، وباكستان والفلبين. 

وتضيف الممرضة أن أغلب الوفيات لعمال من قطاع البناء ممن توفوا في حوادث السيارات في الشارع، وهو ما تؤكده بيانات SCOT – بأن حوادث السيارات والسقوط من أماكن مرتفعة هي أكثر مسببات الوفاة الدماغية. 

«في حالة التبرع بعد الوفاة، لابد من الحصول على موافقة أقرب شخص مسجل للتواصل معه في حالة الطوارئ. وهنا يكمن الإكراه. فإذا لم يوجد فرد من العائلة مسجل لذلك، يقوم صاحب العمل مقامهم، ويكون اسمه موجودا في سجل الشخص، ويصبح بإمكانه إعطاء موافقته. كما سمعنا أيضاً أن معدل التعويض الذي توعد به العائلات هو 50٬000 ريال سعودي. 

وتقول الممرضة إن هناك من يتبرع بأعضائه من أجل المال، وهناك سوق سوداء، وتسترسل، إن هذه الممارسات لا تتم في المستشفيات الكبيرة في مدن السعودية الرئيسية، وإنما في المستشفيات الأصغر. وتضيف «تحدث أمور مريعة لكن الأنظمة جيدة في التستر عليها». 

ويقول طبيب مارس المهنة في السعودية لعدة سنوات، إن هناك نقض كبير في الأعضاء، ويعتقد أنه ليس بالضرورة أن يتم ذلك بالإكراه. ويوضح «إن الكثير من المهاجرين يوافقون على الإجراء بدون وعي ومعلومات كافية، لكن هناك وعد بالتعويض بأي شكل كان. ويشار هنا إلى أن التعويض من أجل الرعاية الطبية مقبول، شراء الأعضاء هو غير المقبول». 

ويقول الدكتور أيضاً، إن من الممكن أن يساء استخدام مصطلح "أسباب طبيعية". «ربما تكون السكتة القلبية سبباً في وفاة البعض، لكن ما الذي يسبب أمراض القلب للشباب؟ من المحتمل أن تكون نتيجة التعرض لإساءة. فبعد الفحوصات الطبية الدقيقة التي اجتازوها قبل السفر، كيف يحدث هذا إن لم يكن بسبب الإساءة؟» إنهم يعزون قلة عدد حالات التشريح إلى معتقدات دينية وثقافية أيضا، إذ لا يريدون أن يجرى أي فحص طبي بعد الوفاة. وحتى إن أراد البعض تمنعهم الكلفة من ذلك. 

ووجدت دراسة أعدها مشروع المؤشرات الحيوية حول معدلات الوفيات العالية وتدهور صحة العمال المهاجرين في دول الخليج «أنه في حين من الممكن أن يشخّص الأطباء النوبة القلبية كسبب رئيسي للوفاة، وتظهر بصياغة صحيحة في شهادة الوفاة، إلا أن توقف القلب لا يقدم معلومات عن السبب الرئيسي للوفاة ولا يجب أن يظهر كسبب في شهادة الوفاة».   

نقص المتبرعين وأخلاقيات التبرع بالأعضاء في السعودية

أوضحت إحصائيات وفرها المركز السعودي لزراعة الأعضاء SOTC لعام 2022 - يفتح في علامة تبويب جديدة، أن أكثر من نصف التبرعات التي قُدمت بعد الوفاة الدماغية DBD جاءت من متبرعين غير سعوديين، برغم أن البيانات التاريخية من 1986- 2022 تشير إلى نسبة أقل من النصف [صفحة 7]. وأوضح تحليل أسباب الوفاة بين المتبرعين بعد الوفاة في 2022، أن أغلب الوفيات المفاجئة ناتجة عن حوادث السيارات (MVA) :143. والسقوط من أماكن مرتفعة (FFH ). وبلغ عدد الوفيات بحسب البيانات التاريخية (1986 – 2022) هي 6263 من حوادث السيارات، و900 من حوادث السقوط. 

وبيانات التبرع لم تفصّل بحسب جنسية المتبرع، وتشمل قائمة الأعضاء المُتبرع بها الكلى، الكبد، القلب، الرئة، البنكرياس، القرنية، الأمعاء، والعظام. 

وبحسب بيانات السجل الوطني لمرضى فشل الأعضاء في السعودية - يفتح في علامة تبويب جديدة، فإن أكثر من 18٬000 شخص (في 2024) في السعودية يعانون من فشل الكلى الذي يعتبر أكثر أنواع فشل الأعضاء شيوعاً في المملكة. «وبإمكان الشخص الحي التبرع بجزء من الكبد، وبإحدى الكليتين، وبالنخاع). ومن الممكن أن ينقذ شخص متوفي دماغيا حياة أكثر من 9 أشخاص بالتبرع بالأعضاء مثل الكلى، والكبد، والقلب، والبنكرياس، والأمعاء، وأنسجة صمامات القلب، والقرنية والعظام». 

فيما يلي الإحصاءات الرسمية من المركز:

  • إجمال الأعضاء المُتبرع بها من أحياء ومتوفون في 2023: أكثر من 2091
  • إجمالي عدد الأشخاص المتلقين لأعضاء من أحياء ومتوفين في 2023: أكثر من 2037
  • زراعة أعضاء من متبرعين أحياء: أكثر من 1662
  • زراعة أ أعضاء من متبرعين متوفين: أكثر من 420

وبحسب أحدث الإحصائيات، فإن هناك 130 مريض بانتظار زراعة للقلب، وذكر المركز أن نقص المتبرعين هو أكبر تحدي يواجه زراعة الأعضاء في المملكة. 

ذكرت ورقة بعنوان (معضلة زراعة الأعضاء التجاري في الشرق الأوسط - يفتح في علامة تبويب جديدة) تناقش حق الإنسان في استقلالية الجسم والتبرع بالأعضاء، «أن الإنسان في الإسلام يعتبر أميناً على جسمه، مع التركيز الشديد على المحافظة على الحياة وتجنب الألم. وقد يعتبر بيع الأعضاء مؤذٍ، خصوصاً إذا ما كان ينطوي على استغلال أو تعريض حياة بائع الأعضاء للخطر. إلا أن الإسلام يشجع التبرع بدون مقابل مالي، كسلوك خيري. وتهدف القوانين في الدول الإسلامية إلى منع تجارة الأعضاء لحماية الأفراد الضعفاء من الاستغلال». 

الحياد المالي

سلط مقال نشر في مجلة الفلسفة، والأخلاقيات، والإنسانيات في الطب - يفتح في علامة تبويب جديدة، حول التعويض وأخلاقيات التبرع وبيع الأعضاء في الإسلام، وذكر أن علماء المسلمين لا يجيزون « تقديم ثمن نقدي محدد وثابت للمتبرع، لكنهم يعتبرون المكافأة تعبر عن التقدير والتكريم للمتبرع على إيثاره صاحب الحاجة». 

في 2019، أصدرت اللجنة الدائمة للهيئة القضائية الإسلامية العليا في السعودية، فتوى مفادها «أنه لابأس من قبوله (مبلغ من المال كهدية) بدون أن يطلبه المتبرع أو يتطلع للحصول عليه، ويمكن تقديم هدية عينيه مناسبة كتقدير، أو الدعاء للمتبرع، وذلك اقتداءً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حينما قال «من صنع اليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». 

وبعيداً عن الجدل الأكاديمي حول الأخلاقيات والفقه الإسلامي، فإن الوعي في مسألة التبرع بالأعضاء لايزال منخفضاً. وأظهرت دراسة أُعدت في 2022، حول الوعي، والمواقف، والمعتقد بشأن التبرع بالأعضاء بين السعوديين - يفتح في علامة تبويب جديدة، أن 24٪ فقط من بين 3507 الذي شملهم الاستبيان يعرفون الجهة التشريعية المختصة بالتبرع بالأعضاء، و58.5٪ يرون أنه يجب تشجيع التبرع بالأعضاء، و66.1٪ لديهم موقف إيجابي تجاه التبرع بأعضاء الجسم. ومع ذلك فنسبة حاملي بطاقة المتبرعين لا تزيد عن 11٪ ممن أجابوا على استبيان الدراسة، و53٪ ذكروا أسباباً دينية لرفضهم فكرة التبرع بالأعضاء، وأبدى 2.4٪ فقط استعدادهم للتبرع غير المشروط، و40٪ وافقوا تحت ظروف معينة، وثلث المشاركين تقريبا لم يكونوا على استعداد للتبرع بأعضائهم. وتتراوح أعمار المشاركين في الدراسة ما بين 18 و30 عاماً. كما خلصت دراسة أجريت في 2023 - يفتح في علامة تبويب جديدة ، إلى نتائج مشابهة فأظهرت أن احترام زراعة الأعضاء والوعي بالأحكام الإسلامية المتعلقة بالتبرع لم تنعكس على معدلات التسجيل كمتبرعين. 

الخلاصة

رغم تزايد الأدلة التي تشير، على الأقل، إلى وجود شبهات في وفيات المهاجرين، وفي أسوأ الأحوال تشير إلى وجود حالات نزع غير قانوني للأعضاء بغرض الاتجار، إلا أنه لايزال هناك افتقار للتحقيقات الكافية من قبل الحكومتين على طرفي سلسلة الهجرة. ويعتبر الاتجار بالأعضاء مشكلة على المستوى العالمي، وليسن قصراً على المنطقة. وما يجعل الوضع فريداً من نوعه هو التفاعل بين نظام الكفالة والاتفاقات العمالية مما يزيد من هشاشة وضعف أوضاع العمال المهاجرين. 

وتظهر شهادات الضحايا وعائلات الضحايا، أنه إلى جانب وجود نقص شديد في الأعضاء البشرية في السعودية، مصحوبة بغموض وعدم وضوح حول إجراءات موافقة المتبرعين، فإن الحاجة ملحّة للتدقيق والرقابة. بعض التوصيات التي ذكرت أدناه لا تتطلب تغييرات تشريعية رئيسية، وإنما إلى تطبيق بشكل أفضل وتحسين الإجراءات الحالية. إلا أن هناك حاجة ملحة وعاجلة لتخصيص موارد لإجراء تشريح روتيني بعد وفاة المهاجرين الشباب تحديداً. فتصنيف الوفاة على أنها «لأسباب طبيعية»، أو «سكتة قلبية» لا تعد تفسيرا جيداً. 

وبالنظر إلى هذه الأدلة المتوفرة والمقرونة بالأجوبة غير الكافية التي يحصل عليها الضحايا وذويهم، يتضح نمط مقلق من الإكراه ونزع الأعضاء من أصحابها بشكل غير قانوني، الأمر الذي يتطلب اهتماما عاجلا ومستداما. 

حالات أخرى مبلّغ عنها

تشهد التقارير التي تتناول مزاعم الاتجار بالأعضاء، تزايداً في وسائل الإعلام المحلية في بعض الدول الأفريقية. لكن لم يتضح وجود أي توجه للتحقق من هذه المزاعم، أو إنصاف الضحايا. كما لم تنشر وسائل الإعلام المحلية الخليجية أية تقارير عن ذلك. أدناه، قائمة غير شاملة للحالات التي تم الإبلاغ عنها وجمعتها MRRORS.Org:

أوغندا

شريفة بيرونجي

تشكك عائلة الشابة شريفة بيرونجي التي توفيت مؤخراً في السعودية في ظروف وفاتها، وتعتقد أنها قُتلت وسُرقت أعضائها. وتشير المزاعم إلى أن بيرونجي توفيت في حادث سيارة في 27 يوليو، ولم تبلغ عائلتها إلا بعد مرور أسبوعين على وفاتها في 12 أغسطس 2022. وبعد ذلك بوقت قصير، وُعدت العائلة بمبلغ من المال نظير موافقتهم على التبرع بأعضائها.

ونشرت - يفتح في علامة تبويب جديدة وسائل إعلام أوغندية ما يفترض أن تكون محادثة على تطبيق واتساب بين موظف في وزارة الصحة السعودية يدعى عبد العزيز يطلب الموافقة على التبرع بأعضائها مقابل 50٬000 ريال سعودي وتذكرة «كارغو» لشحن جثتها. طُلبت الموافقة في 12 أغسطس بعد مرور أسبوعين على وفاتها. وتتساءل عائلتها كيف تكون الأعضاء صالحة للتبرع بعد مرور هذا الوقت، كما ذكروا أنه لا يوجد دليل على تعرضها لحادث.

جوديث ناكينتو

عادت جوديث ناكينتو إلى بلدها في 2021، وهي في حالة صحية حرجة بعد أن عملت لعام واحد في جدة بالمملكة العربية السعودية. وكشفت الفحوصات الطبية التي أجريت لها في مستشفى مولاغو الوطني للإحالة، أن الكلية اليمنى لجوديث البالغة من العمر - يفتح في علامة تبويب جديدة 38 عماً قد أزيلت، كما اتضح أنها تعاني من إصابات أخرى منها كسور في الحوض وكدمات في الكبد.

«رفعت جوديث دعاوى جنائية أمام قسم الجرائم الدولية في المحكمة العليا في كولولو بكمبالا، ضد شركة الوساطة Nile Treasure Gate التي رتبت لسفرها إلى السعودية، وصاحب عملها سعد ظافر محمد الأسمري. فأوقفت الحكومة الشركة عن العمل وألقت القبض على 5 موظفين ووجهت لهم تهمة الاتجار بالأعضاء البشرية. لكن أفرج عنهم في فبراير 2023، بينما لاتزال القضية بانتظار تحديد موعد لجلسة الاستماع. وبدأت قصة جوديث بعد مرور شهرين من وصولها إلى السعودية، عندما أبلغ صاحب العمل عائلتها أنها تعرضت لحادث وتسبب في إصابات لها، بدون أن يوضح بأية تفاصيل أخرى. بعد ذلك انقطع تواصل العائلة معها، وفي مارس 2020، عاود صاحب العمل الاتصال ليبلغهم أن ناكينتو أصبحت في حالة صحية حرجة ولابد من إعادتها إلى بلادها. عادت ناكينتو في أكتوبر 2020، وبعد خضوعها للفحص الطبي، كشف الأطباء أن كليتها اليمنى قد أزيلت بالجراحة بدون موافقتها. وذُكر في التقرير الطبي الذي جلبته معها من السعودية أنها أصيبت بتمزق في الكلي بسبب تعرضها لحادث سيارة، لكن عائلتها تشك في أن حادث السيارة كان مزعوماً لتغطية انتزاع الكلية. واتضح من تحقيق الشرطة أن ناكينتو أُخذت للمستشفى لإجراء فحص كوفيد 19، لكنها استيقظت لتجد نفسها تحت أجهزة الإنعاش وغير قادرة على تحريك يديها ورجليها. كما اتضح أن صاحب العمل زوّر التقرير الطبي، وزعم أنها تعرضت لحادث سير وأن أعضاءها سليمة. قامت ناكينتو بمقاضاة صاحب العمل وشركة Nile Treasure Gate بتهمة استئصال أعضائها بشكل غير قانوني، وحصلت على تعويض قدره 73٬702 دولار أمريكي».

كينيا

إدوارد غاثونغو

في 2021، غادر إدوارد غاثونغو إلى السعودية بعد حصوله على وظيفة في أحد الفنادق الكبرى، وظل على تواصل منتظم مع عائلته لمدة عام، حتى أكتوبر من العام التالي، عندما أبلغوا أنه تعرض لحادث سيارة وأن حالته الصحية حرجة. وفي اليوم التالي أخبروهم أنه «ميت دماغيا»، وبدأ المستشفى الضغط على العائلة للتبرع بأعضائه.

تقارير صحافية محلية: - يفتح في علامة تبويب جديدة

قالت الزوجة إستر وانغاري: «عندما طلبوا موافقتنا للتبرع بأعضائه كنت منهارة، وكانوا يلحّون في الاتصال بي، وأخبروني أنه إذا لم أعطهم الموافقة فسيموت في أي لحظة.

عندما أصبح ضغط المستشفى لا يحتمل، لجأت وانغاري لوزارة الشئون الخارجية في 11 أكتوبر، طلباً للمساعدة. حينها وُجهت لكتابة طلب رسمي من خلال السفارة بأن لا تتم إزالة أعضاء غاثونغو والإبقاء على حياته على أجهزة الإنعاش.

في هذه الأثناء، حدث أمر غير متوقع، إذ اكتشفت وانغاري أن شخص ما من الوزارة قام باستخدام معلوماتها الشخصية وأعطى المستشفى الإذن بإزالة أعضاء غوثونغو لغرض التبرع.

واستلمت وانغاري رسالة مزورة من وزارة الشئون الخارجية تفيد بأنها ضمن من قاموا بإعطاء الإذن للمستشفى للمضي قدما في إزالة أعضاء غاثونغو والترتيب لنقل جثته وإعادتها. وجاء في الرسالة «نحن نمنح موافقتنا للسلطات المعنية في مركز زراعة الأعضاء في السعودية، للتبرع بدون أي ضغط أو إكراه من أي جهة. ونتعهد بعدم إثارة أي نزاعات مستقبلية ضد السلطات التي قبلت جميع الأعضاء والقرنية (باستثناء العظام)».

وجاء في الخطاب أيضا: «نحن نخول الشركة والسفارة الكينية لاتخاذ الخطوات والترتيب لنقل جثمان إدوارد غاثونغو إلى مطار جومو كينياتا الدولي بنيروبي في كينيا».

وأشارت الرسالة إلى أن شخصاً واحداً سينوب عن العائلة لاستلام تسوية مالية ومكافأة من وزارة الصحة أو إي منظمة أخرى في السعودية.

السعودية

  • التحقيق في وفيات العمال المهاجرين الشباب، وإجراء عمليات تشريح لجميع الحالات المشبوهة لاستبعاد أي شبهة جنائية. 
  • التأكد من الشفافية فيما يتعلق بإجراءات الحصول على إذن لإزالة الأعضاء. وأن يتم ترجمة جميع الوثائق المتعلقة بالعملية إلى لغة المتبرع الأم. 
  • توفير جلسة استشارة قبل التبرع، للمتبرعين الأحياء بلغتهم الأم، والتأكد من أن يتم ذلك في وجود أحد أفراد من العائلة أو مسئول من السفارة. 
  • تنفيذ الالتزامات القانونية المتعلقة بتحمل الكفيل إعادة رفات العمال المتوفين إلى بلدهم. 
  • إلزام مركز زراعة الأعضاء السعودي SCOT بنشر بيانات مفصلة لجميع فئات الأعضاء التي يتم إزالتها لغرض التبرع، بما في ذلك جنسيات المتبرعين والمتلقين 
  • في حالة تبرع العامل للكفيل أو لأحد أفراد عائلته، يجب إخضاع إجراءات الموافقة للمزيد من التدقيق وضمانات الحماية. 

كينيا

  • يجب على الحكومة الكينية الاحتفاظ بسجلات رسمية لكافة الفحوصات الطبية للعمال المهاجرين.
  • في حالات الوفاة المشبوهة، يجب إجراء تشريح للجثة فور وصولها، وأن تتحمل الحكومة تكلفة ذلك وليس عائلة المتوفي. 
  • يجب على صاحب العمل تحمًل تكلفة إعادة جثمان العامل المتوفي. وعلى الحكومة الكينية التأكيد على الالتزام الصارم بذلك في المفاوضات الثنائية التي تجريها مع السعودية ودول الخليج الأخرى.  
  • يجب على الحكومة التحقيق في الروابط المحتملة بين تجارة الأعضاء المحلية والادعاءات المبلغ عنها المرتبطة بمواطني كينيا في دول المقصد. 
  • يجب إبلاغ السفارة الكينية بأي واقعة يتعرض فيها مواطن كيني لإزالة أعضاء من جسمه أو يتبرع بها أثناء وجوده في الخارج، وأن يكون هذا متطلب الزامي. 

ملاحظات تحريرية

تتابع MRRORS.Org منذ عدة سنوات، ادعاءات خاصة بنزع الأعضاء وحالات التبرع القسري. وفي حين أكد المسئولون وجود هذه الظاهرة في حديث غير رسمي، إلا أنهم يرفضون أن ينسب لهم التصريح بشكل رسمي. وعبر مسئول في حكومة دولة من أفريقيا الشرقية في مقابلة خاصة مغلقة، عن قلقة الشديد من عدد الوفيات من مواطنيه في الإمارات والسعودية والتي تنسب لأسباب طبيعية. وأكد على أهمية الالزام بتشريح جميع الجثث قبل إعادتها، وقال إن حكومته ملتزمة بذلك. ولكن بعد مرور 5 سنوات لم يُتخذ أي إجراء بهذا الشأن، فالدول الأفريقية لازالت تدفع مواطنيها للحصول على وظائف في الخليج. 

في 2023، قالت د. نانساتا ياكوبو  من غانا، العاملة في مجال العدالة الانتقالية والخبيرة بمخاطر الاتجار بالبشر في المجتمعات الهشة في غرب أفريقيا لـMR: «إنها شبكة منظمة تصل إلى أعلى المستويات وفي مجالات مختلفة بما فيها الأمن، والصحة، والبحرية، والهجرة. غالبيتهم يتم الاتجار بهم من أجل الجنس [...]، لكن أصبحنا نسمع بشكل متزايد عن الاتجار بالأعضاء. 

وتضيف:«تعود الفتيات بندوب [...] إحداهن قالت أن زميلتها في المنزل نفسه كان على جسدها ندبتين، أزيلت كليتيها، وتوفيت. وذكرت أن الفتاة نقلت إلى غرفة العمليات في المستشفى». 

كذلك، أشارت مسئولة الهجرة الغانية وتدعى دينا في حديثها لـ MR، إلى حالات نزع الأعضاء. «لم يُجرَ أي تحقيق، لكننا نشهد عودة النساء بآثار لندوب جراحية». 

لإعداد هذا التقرير، تحدثت MR لأكثر من 12 شهر مع عائلات عديدة وضحايا في كينيا بشكل رسمي وغير رسمي. وتم فحص ومراجعة المتوفر من تقارير التشريح الطبية، والوثائق الشخصية للتأكد من صحة الشهادات والتصريحات. 

ويذكر أن جميع الأسماء المذكورة حقيقية مالم يذكر خلاف ذلك. وبرغم ندرة الأدلة القاطعة بشأن نزع الأعضاء غير القانوني بما في ذلك أدلة الإدانة، إلا أن نسب حالات وفاة كثيرة لأسباب طبيعية أو الانتحار، وكذلك تشابه الندوب التي تجدها العائلات على أجساد أحبائهم الضحايا مثل العيون المفقودة، والأجساد المفرغة من أعضائها، والآثار الجراحية الغامضة، والإصابات الأخرى، جميعها تستدعي تحقيق عاجل. 

تشمل منهجية البحث لهذا التحقيق الاستقصائي:

  • جمع الحالات المنشورة في مختلف المنصات الإعلامية الأفريقية. 
  • الاطلاع على الأبحاث حول الطلب العالي على المتبرعين بالأعضاء البشرية، والتحديات المتعلقة بالحصول عليها، ونقص الوعي بالتبرع بالأعضاء البشرية. 
  • الحصول على بيانات من لجنة زراعة الأعضاء السعودية
  • الإرشادات الدولية بشأن زراعة الأعضاء

ساهم في الإعداد: عايدة مولي

تشكر MRRORS مركز التدريب والتطوير المحلي، و FairSquare، و Trace Kenya، ومجموعة العدالة الدولية، ومجموعة العمالة المنزلية الكينية العائدة، و Azadi Kenya لدعمهم ورؤاهم في إعداد هذا التحقيق.

Have you had a similar experience?

Please reach out, we would love to hear from you relating to your experience on this topic.
Your anonymity is important to us and all personal information will remain private.

الكينيون يتعرضون لابتزاز ووعود كاذبة في سبيل توظيفهم في قطر ودول الخليج الأخرى

24 مايو 2025

يلاتلا لاقملا