١- فاغو دامي ثارو (72 عاما)، في مبنى مجلس التوظيف الخارجي ليطالب بإعادة جثمان ابنه، كيشور كومار دامي، الذي توفي في السعودية قبل 5 شهور. ٢- إسلام باخيه بودو (43 عاما)، في منزله في نوالبور، النيبال. ٣- عائلة اسلام باخيه – زوجته حسينة خاتون (يسار)، والدته جوهرة خاتون (يمين)، وابنه الأصغر أيان باثان وابنته نجمة خاتون في المقدمة.
البحث عن الابن
ظل فاغو دامي ثارو (72 عاما) ينتظر يائسا، إعادة جثمان ابنه. وناشد باغو المسئولين المحليين والاتحاديين في النيبال لإعادة جثمان ابنه من السعودية.
لكن انتظاره ظل مستمرا.
يقول فاغو الحزين: "أريد أن أرى ابني لمرة واحدة أخيرة" وبرغم كبر سنه، فقد سافر إلى كتمندو من منطقة جنوب بارا ليقدم طلبا لرئيس المجلس FEB. ويقول: "أعرف أنني لن أراه، لكن أرجوكم مساعدتي، لا يمكنني تركه هناك."
إلا أن رئيس المجلس، دين باندو سوبيدي، يسارع بالقول إنه "لا يمكنه فعل أي شيء" لأن القضية لاتزال قيد التحقيق.
وكان ابن فاغو الأكبر، كيشور كومار دامي، يعمل في تركيب البلاط في تبوك في شمال غرب السعودية. ولدى كيشور البالغ من العمل 40 عاماً، 5 بنات وهو العائل الوحيد لعائلته المكونة من 14 فرداً. وفي سبتمبر 2021، وُجد كيشور معلقا في غرفته بشكن العمال. ولم يكون من الواضح إن كان الأمر انتحارا أو ينطوي على جريمة. لكنه كان قد أجرى اتصالا، قبل يوم من وفاته، بزوجته ثريا ديفي وأخبرها أنه سيعود إلى الوطن بعد أسبوعين. وفي اليوم التالي علمت ثريا بوفاة زوجها من عامل نيبالي مهاجر في السعودية.
وبينما كانت ثريا وأفراد العائلة الآخرين قلقين في بلدتهم، كان فاغو ، بكمامته الزرقاء على ذقنه المجعد، يذرع الشوارع في كتمندو، ويناشد المسئولين لإعادة جثمان ابنه.
سأل فاغو رئيس المجلس:" هل تعرف الوضع فيما يتعلق بجثمان ابني؟"
ليجيبه دين باندو بجدية: "لا تقلق ستحفظ الجثة في الثلج".
وتريد عائلة كيشور كومار إجراء تحقيق لمعرفة أسباب الوفاة، والمطالبة بالتعويض، لكن أولويتهم الآن هي إعادة الجثة.
ويوضح دين باندو: "بأنه تم التحقيق في القضية من قبل الشرطة السعودية، ولذلك لا نعرف متى يمكننا إعادة الجثمان".
ولا يزال لدى فاغو قليل من الأمل برؤية ابنه، وإن كان ميتا، ولكنه قلقا الآن هو على حفيداته. ويقول: "كيف يمكن لزوجة كيشور تربية هؤلاء الأطفال وحدها؟ كيف سيمكنها تزويجهن – تعلم جيدا أن علينا أن نقدم المهر لكل واحدة منهن، وليس لدينا المال لذلك."
وتعتبر قصة عائلة فاغو شائعة بشكل مأساوي في النيبال، حيث تشمل التحويلات من الخارج ثلث الناتج المحلي الإجمالي فيها.
وتستغرق عملية الإعادة إلى الوطن من السعودية وقتا أطول من الدول الأخرى، مما يطيل الألم الذي تتعرض له العائلات التي تنتظر جثامين أبنائها. يقول دين باندو: "في حالة الوفاة الطبيعية، يستغرق الأمر حوالي شهرا واحدا، لكنه الفترة أطول في حالات الانتحار، والجريمة والحوادث، لأن الأمر حينها يتطلب الخضوع للتحقيق."
وبحسب باندو، فإن الحصول على شهادة إخلاء طرف من قبل الشرطة السعودية، والمحكمة العمالية والشركة التي يعمل بها العامل، يستغرق وقتا طويلا. ولا يمكن للسفارة النيبالية إصدار شهادة عدم ممانعة لترحيل الجثة إلا في حالة إصدار جميع إجراءات إخلاء الطرف.
وأضاف: "ينسق كل من المجلس النيبالي والسفارة في الرياض ومكتب القنصلية في جدة لتقديم خدمات الإنقاذ والإعادة إلى الوطن، لكن لايزال الأمر صعبا لتسريع انهاء الإجراءات بسبب عدد الوفيات الهائل في مثل هذا البلد الكبير."
ويوجد في السعودية نحو 400,000 نيبالي موزعين في مناطق المملكة. كما أن ثلثي العمال هؤلاء العمال يعملون في ما يُعرف بالقطاع ذو المهارات المنخفضة مثل التنظيفات، وغسيل الملابس، والحمالين، والتعبئة والشحن...الخ. وفي المرتبة الثانية يأتي قطاع وظائف السياقة وتشغيل الآلات بنسبة 13% من العمال النيباليين في المملكة، يتبعه قطاع الخدمات والمبيعات بنسبة 9%، وذلك بحسب تقرير الهجرة العمالية لعام 2020.
يقول راميشوار نيبال: "توجد المشاكل في كل القطاعات، لكنها أسوأها تلك المرتبطة في قطاع الخدمات، والضيافة، والانشاءات، ومن الممكن أن تكون مشكلات عمالة المنازل أسوأ، إلا أنه من الصعب أن نقول ذلك بشكل قاطع، لذلك لصعوبة الوصول إليهم وقلة المصادر فيه." وتحظر النيبال استقدام عمالة المنازل إلى السعودية منذ 2017، لكن لايزال الكثير من العمال يسافرون من خلال طرق غير نظامية.
ووسط تزايد الشكاوى من العمال الذين يعانون أوضاعا سيئة، قامت القنصلية العاملة بجدة، بتحديد مساكن العمال الأكثر عرضة للضرر والتي تشهد ارتفاع في الإصابات والوفيات. ومع ذلك، لم توفّر السفارة في الرياض، أو القنصلية في جدة أية معلومات حول هذه المساكن ومواقعها.
إلا أن المدير التنفيذي للمجلس، راجان، يقول إنهم تسلموا المزيد من تقارير الوفيات، والإصابات، والحالات الأخرى المرتبطة بالعمل، من الرياض وجدة والدمام. مشيرا إلى أنه "ربما لوجود عدد أكبر من العمال فيها خصوصا في قطاع الانشاءات."
لم يتسلم يام بهادور، بعد، أية تعويضات من الشركة بعد وفاة ابنه. وعندما تحدث لمثلي الشركة وللسفارة النيبالية في الرياض، لم يتلقَ إجابات واضحة، بحسب قوله
معاناة العالقين
يحاول صاغر بي كي (29 عاما) منذ أكثر من 6 شهور، العودة إلى النيبال من الدمام بالسعودية. لكنه لا يحمل جواز سفره. منذ حوالي 5 سنوات، عندما وصل إلى السعودية للمرة الأولى، للعمل، سلّم جوازه لكفيله. ويقول صاغر من الدمام: "الآن أريد أن أغادر السعودية لكن كفيلي يرفض إعادة جوازي لي"، كما أنه لم يجدد تصريح إقامتي منذ انتهاء صلاحيته قبل ثلاث سنوات، كما أن كفيله يرفض إعطاءه تصريح للمغادرة. فنياً، لم يعد تصريح المغادرة الذي - يفتح في علامة تبويب جديدة يصدره الكفيل مطلوباً، ولكن لاتزال إجراءات الخروج من البلد تعتمد على عدم تدخل الكفيل في الطلب.
وبحسب عقد عمله، تم توظيفه لدى مؤسسة سعاد الفلاح السهلي للنقليات (Saud Al Falah Al-Sahli Transport Est)، كسائق مركبة ثقيلة، براتب قدره 2000 ريال. لكنه كان يستلم فقد 1,200 ريال سعودي، علما أن الشركة توقفت عن الدفع خلال الشهور الثلاثة الماضية. كان صاغر قد جاء إلى السعودية من خلال New World Overseas Service Pvt. Ltd. في كتمندو.
يقول صاغر: "ليس بيدي حيلة. ليس لدي المال، لم أتسلم راتبي لثلاثة شهور، لقد توسلت للحصول على المساعدة من أشخاص كثيرين لكن دون جدوى".
ومن جهتها، تبحث زوجته، بسانتي، عمن يقدم له المساعدة في النيبال. قامت بزيارة مكتب منطقة شيتوان لمشروع الهجرة الآمنة (SaMi) – وهو مبادرة ثنائية بين حكومة النيبال وسويسرا تقدم الدعم للعمال المهاجرين.
إلا أن صاغر لايزال عالقا في السعودية. وكذلك زميليه، كريشنا بيشوكارما وديبندرا بي كي. كانوا يقيمون في موقف للسيارات في الدمام لعدة أيام، بانتظار الحصول على المساعدة.
عندما غادر صاغر بلاده، كان عمر ابنه سنة ونصف. والآن يبلغ الابن من العمر ست سنوات، ويسال باستمرار عن مكان والده ومتى سيلتقيه. تتوسل بسانتي:" أرجو مساعدتنا، ابني وأنا نريده أن يعود لنا".
طلب صاغر وزملاؤه المساعدة من سفارة النيبال، لكن السفارة "اقترحت أن يتواصلوا مع مكتب العمل في الخفجي، ذهبنا إلى هناك، ولكن بلا جدوى".
ولم ترد سفارة النيبال لدى الرياض على استفسارات MRRORS.org حول هذه القضايا العمالية.
وبحسب مسئولي (SaMi) يتعرض العمال النيباليون في السعودية لأشكال من الانتهاكات الحقوقية الإنسانية والعمالية مثل مصادرة الجواز، وسرقة الأجور، والإقامة منتهية الصلاحية، والفصل التعسفي، وظروف العمل المزرية بالإضافة إلى استبدال العقود.
ويقول نابين شيشر بي كي، القنصل في مركز موارد الهجرة للهجرة الآمنة بالنيبال: "إن الانتهاكات في حق العمال المهاجرين النيباليين ليست أمرا جديداً، ولكن يبدو أن الوضع قد تفاقم مع جائحة كوفيد 19. فقد وردتنا، خلال الشهور الأخيرة، شكاوى أكثر بشأن العمل الجبري، وعدم دفع الأجور، والخصم من الأجور."
ويتفق معه راميشوار: "تضاعفت مصاعب العمال لأن بعض أصحاب العمل اتخذوا من الجائحة ذريعة لاستغلال العمال."
في مارس 2021، أعلنت السعودية عن إصلاحات في نظام الكفالة، بما يسمح للعمال بتغيير وظائفهم دون الحاجة لموافقة صاحب العمل، وذلك بعد مرور عام واحد من العمل، أو بعد انتهاء مدة العقد، أو تحت بعض الظروف المحددة. ومع ذلك فإن التقارير تتواصل عن الانتهاكات التي تحدث تحت نظام الكفالة كما يذكر راميشوار: "قد يكون الأمر أفضل لبعض العمال على مستوى الأفراد، لكن بشكل عام، لايزال الوضع كما هو."
التحدي الآخر هو عدم وجود اتفاقية ثنائية بين النيبال والسعودية. وبحسب راجان، رئيس المجلس النيبالي فإنه "لابد من معالجة مشاكل العمال النيباليين على المستوى الحكومي. فقد كان هناك مجهود لإبرام اتفاق بين الطرفين، لكن لا أدري لماذا تأخر الأمر."
برغم التحديات العديدة في دول المقصد، إلا أن النيباليين منخفضي الدخل أو العاطلين مضطرون للعمل في الخارج.
كان والد ديباك سينجالي، يام بهادور (48 عاما) قد شهد وفاة ابنه "المفاجئة" في جيزان. يتذكر كيف كان الأمر مروعا أن يشهد وفاة ابنه الوحيد (27 عاما). "عدت إلى الوطن رفقة جثمانه". ويقول: "للأمانة، لا أرغب في العودة مرة أخرى. ولكن ماذا سأفعل هنا؟ فليس لدي عمل. كما أنه ليس لدي مصدر آخر للدخل."
لم يتسلم يام بهادور، بعد، أية تعويضات من الشركة بعد وفاة ابنه. وعندما تحدث لمثلي الشركة وللسفارة النيبالية في الرياض، لم يتلقَ إجابات واضحة، بحسب قوله.
بعد شهرين من وفاة ابنه، قرر يام بهادر السفر إلى السعودية حيث كان يعمل راعياً. ويقول: "لقد قضيت 14 عاما في الصحراء مع الخراف والماعز. ولا أعرف كم من السنوات سأبقى هناك، لأنني مديون بقرض قيمته 1,200,000 روبية نيبالية. والآن يتوجب عليّ أنا تسديد هذا القرض."